الحرب على غزة لم تقتل الأطفال فقط بل قتلت فرصة أن يُولدوا

علا أبو حليلو/ غزة – مزقت هذه الحرب كل الأحلام، ودمرت كل الخطط التي كتبها الحالمون في غزة، كم من أجندةٍ حملت في طياتِها أحلاماً اختفت تحت الأنقاض، لم يُعثر على أصحابِها ولا أوراقها حتى.

فرصتين ضائعتين

السيدة تحرير محمد (31 عاماً) توجتْ أجندتها بحلم الأمومة؛ فهي لم يُكتب لها أن تكون أمًّا دون أن تُجاهد من أجل هذا الحلم، وتُداعب طفلها.

أفقدتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة فرصتين عظيمتين لتحقق الحلم، لكن هذه لن تكون النهاية، فالأمل لا يزال ينبض في قلبِها ورحمِها ليفتح لها نافذة على الحياة.

تقول السيدة تحرير: “بدأتُ التحضير لخوض التجربة الأولى بعد 9 سنوات من الزواج لمشروع أطفال الأنابيب لدى مركز البسمة، بمتابعة الطبيب المختص د. بهاء الغلاييني في مايو 2021″.

لم يكن هذا الصوت قصفاً، إنما هو صوت تدفق الأدرينالين عندما بدأت السيدة تحرير تستذكر لنا: ” تلقيت الحقنة الأولى وكانت باهظة التكلفة ما يقارب 600 شيكل، بالإضافة إلى أنني كنت أتنقل بشكل يومي من مدينة رفح نحو غزة حيث يقع المركز الصحي من أجل المتابعة اللازمة الخاصة بالبرنامج التحضيري لإبر المنشطات والأدوية المساعدة، وكل ذلك كان يحتاج لتكلفة مواصلات مرتفعة”.

لم يأبهانِ- تحرير وزوجها- لهذه التكلفة؛ فنهاية الرحلة ستُكلل بطفل الأحلام الذي سيزين حياتهما عند سماع كلمة ماما وبابا، لكن التصعيد الإسرائيلي في ذلك الشهر كان بمثابة الحاجز الإسمنتي الذي منع هذا الصوت من الخروج إلى الحياة.

وبابتسامة لطيفة تخفي خلفها المتضادين أمل وألم، تقول: “لم يكن يتبق الكثير على اكتمال نضوج البيوض التي سيتم سحبها من أجل تلقيحها، 9 أيام كاملة من العلاجات والإبر والآلام، لكن المركز المتابِع أخبرنا بإلغاء استكمال البرنامج”.

إذ أوقف مركز البسمة مثل غيره من المراكز والمؤسسات العمل بسبب خطورة الوضع الميداني الذي يهدد المرضى والعاملين.

الأمل لا يمكن أن ينتهي إذا فشلت المحاولة الأولى، تقول السيدة تحرير: “قررت فيما بعد العودة للمحاولة، وقمت بالتنسيق مع صيدلية تسمح لي بأخذ الإبر المطلوبة للبرنامج ديناً على أن أسدده كلما سمحت لي الفرصة، وكانت المنحة القطرية ذلك الوقت هي السبيل الوحيد من أجل دفع ديني”.

وتضيف: “بعد عامين من العملية الأولى، قررت أن أحاول مرة أخرى من خلال إرجاع الأجنة المجمدة خلال المحاولة الأولى، ولكن يبدو أن الحظ لم يكن حليفي أيضاً هذه المرة، لأن الموعد المحدد للعملية كان في السابع من أكتوبر 2023”.

كان من الممكن أن يتم تأجيل هذه الفرصة، لكن أجنة السيدة تحرير وغيرها الكثير من السيدات اللاتي لهن أجنة مجمدة لدى مركز البسمة، تم فقدانها بسبب تدمير آلة الحرب المركز، بالإضافة إلى تضرر مختبرات مراكز أطفال الأنابيب والعقم الأخرى بسبب انقطاع الكهرباء وعدم القدرة على الاحتفاظ بكل ما هو مجمد سواء الأجنة أو الحيوانات المنوية الخاصة بالرجال المتابعين أيضاً.

الفرصة الأخيرة لأصبح أم انتهت

لم تقتل هذه الحرب الأطفال فقط، بل قتلت فرصة أن يأتوا لهذه الدنيا، تماماً مثلما حدث مع السيدة عهد حامد (31 عاماً) التي أفقدتها المجاعة في شمال غزة فرصتها الأخيرة للإنجاب.

دون أن تذرف الدموع، كان قلبها يبكي عندما وصفت عهد مشكلتها: “لقد أنهت هذه الحرب أملي في أن أصبح أم، لقد كنتُ قبلها قد وصلت إلى آخر عتبة في البرنامج العلاجي الإنجابي”.

تشرح عهد: “عانيت مشكلة نقص مخزون المبيض، وهو أمر لا علاج له، ولكن يوجد فرصة للإنجاب من خلال الاستمرار بالتغذية الصحية والتركيز على الأكل الصحي بالإضافة إلى ممارسة الرياضة”.

يذكر أن نقص مخزون المبيض حالة صحية تعاني منها النساء دون سبب، يقوم الطبيب المختص بمتابعة جودة البويضة قبل تخصيبها والعناية بها حتى يتم الحصول على فرصة عالية للإنجاب.

وتقول عهد: “استغرقت ما يقارب العام من أجل ضبط الوزن ومتابعة الطعام الصحي حتى أحصل على بويضة ناضجة قابلة للإخصاب، ولكن بسبب المجاعة وسوء التغذية نتيجة الحرب عانيت الآن من جديد”.

وتضيف: “والآن يبدو أنني دخلت مرحلة سن اليأس مبكراً، لأن الحرب قد أثرت على حالتي النفسية بشكل سلبي، ثم ازداد الأمر سوءاً بسبب حرماني من أكل الخضروات واللحوم أي أنني حُرمت من إدخال العناصر الغذائية مثل الفيتامينات والبروتينات للجسم، مما أثر على هرمونات الدورة الشهرية بشكل كبير، ما يدلل أنني لن أصبح أماً حتى بعد الحرب”.

أجنة كُثر قُتلت

تقبل النساء لأسباب صحية تجميد بويضاتها لدى مراكز العقم وأطفال الأنابيب من أجل تخصيبها وزراعتها في الرحم؛ للحصول على أكبر الفرص الطبيعية للإنجاب.

يؤكد د. بهاء الغلاييني مدير مركز البسمة، أن هناك مجموعة من النساء كانت لهنّ أجّنة مجمدة، ولكن تم فقدانها خلال العدوان الإسرائيلي، مضيفاً: “الكثير من هذه الأجنّة خاصة بنساء عمرهنّ كبير ولهنّ مخزون مبيض منتهي، وبهذا يكنّ قد فقدن فرصتهنّ للحمل تمامًا”.

وحول مصير البويضات والأجنّة وعينات السائل المنوي المجمد لرجال أيضاً كانت لهم فرص ضئيلة للإنجاب، يقول الغلاييني: “تم فقدانهم بسبب منع الجيش الإسرائيلي إحضارنا لغاز النيتروجين المُسال في المراحل الأولى من الحرب مما أدى لتلف العينات، ثم تدمرت تماماً بسبب سقوط قذيفة على مختبر مركز البسمة”.

أما عن تعويض الأزواج بسبب التكاليف المرتفعة للتجميد، يقترح د. الغلاييني: “يمكن أن يتم مساعدتهم مالياً من أجل محاولة الدخول إلى برنامج جديد قد يفضي إلى نجاح هذه العملية مجدداً”.

اُستشهد ابنها وفقدت أجّنتها

السيدة أم خليل أبو حمادة، استشهد نجلها خليل (19 عاماً) -والذي أنجبته بعد نجاح عملية زراعة أطفال أنابيب- خلال تصعيد إسرائيلي على غزة عام 2022.

يقول د. الغلاييني: “في العام التالي لاستشهاده، جمدت أم خليل 3 أجنّة بصعوبة شديدة وقبل إرجاعهم للرحم ذهبت لقطر بدعوى من مستشفى هناك”.

ويكمل: “لم تنجح ثلاث محاولات للحصول على بويضات ناضجة بسبب العمر، لذا قررت العودة لإرجاع البويضات المجمدة لدى المركز، ولكننا أخبرناها الآن أنّ أجنّتها قد تلفت بسبب تدمير المختبر”.

فالقدر كان له كلمة أخرى في حياة أم خليل، استشهد نجلها في وقت مبكر، تاركاً فراغاً كبيراً في حياتها. ومع هذه الفاجعة، لم تكتمل أحلامها بنجاح عملية زراعة أخرى لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى