ما هو الذي خَفِيَ، وكان أعظم؟!

ما هو الذي خَفِيَ، وكان أعظم؟!

عدلي صادق

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

بقلم: عدلي صادق 

يتوجب إجزال الثناء لدولة قطر، بشفاعة عدد من "المكرمات" التي جاءت في وقتها، ولا تجود بمثلها سوى السلطات الراسخة في علوم ما بعد التطبيع الرسمي والسياسي مع إسرائيل. فعلى مدى سنوات طويلة، ظلت أبواق حكام قطر، تحاول التعمية على مدى وعمق علاقات الدوحة مع تل أبيب، ومحاولة خلق انطباعات مخففة عن هذه العلاقة، بالفهلوة والتفكه الذي يصل الى حد إظهار السخرية من الذات.

كل ذلك لكي تظل حقيقة العلاقة لغزاً مُستغلقاً، لا تفتح الفرضيات الظنية أقفاله، فتعجر مراكز الأبحاث، عن فك شيفرا الدالال الإسرائيلي الإستثنائي، الذي تختص إسرائيل به حكام قطر، حتى أصبح بمقدور موفد قطري واحد،  الى تل أبيب، أن ينجز في غضون دقائق، ما يعجز عن مجلاد طرحه أصلاً، موفدون كُثر، من أقطار إقليمية ودولية وازنة!
  معلوم أن قطر، بلغت من البراعة في تجميع المتناقضات، حداً يستحق الدراسة بأدوات البحث العلمي في العديد من الحقول البحثية.  فمن جهة، دأبت منابرها الإعلامية على فضح كل من اشترى قبل سنوات، برتقالة من اليهود، أو صافح إسرائيلياً في جنازة، ودأبت "الجزيرة" وأخواتها، على توزيع الإتهامات بالخيانة يميناً ويساراً، وتشغيل البرامج الحوارية للتأثيم والشيطنة، وكأن نظام قطر، هو  حارس المرمى وحارس الفضيلة الإسلامية والوطنية والقومية، وعنصر الدفاع السديد عن الحقوق الفلسطينية التي اغتصبتها الصهيونية!
 في الوقت نفسه، تفوقت قطر على شقيقاتها الأخريات في عدد الإتفاقات الأمنية مع أمريكا (ومع إسرائيل ضمناً وفي المحصلة) وتلك اتفاقات ظلت الدوحة تباهي بها، ككؤوس مسابقات أحرزتها، إذ لم يحرز خصومها مجتمعين، نصف عددها.
في الوقت نفسه أيضاً، استطاعت قطر، بعبقريتها التطبيعية، إقناع الأمريكيين والصهاينة، بأنها الأجدر في مكافحة الإسلاميين سواء كانوا من "الإخوان" أو من أتباع "الجهادية السلفية"، فأدخلتهم في قفصها والى فنادقها وكواليسها، وباعتبارهم أغبياء ومعاقين فكرياً، ويرون أنفسهم أصح فكراً وعلماً فقهيا من علماء الأزهر والزيتونة ومرجعيات قِم الإيرانية والنجف، فقد انساقوا مع قطر واهمين أنها افتتنت بمنهجهم وتمنت أن تتبناه. وفي هذا السياق، رأت أمريكا أنها بهذا التكتيك الشيطاني، الذي اعتمدته قطر،  تسوس هؤلاء الأغبياء من وراء الكواليس، وتأخذهم الى الوجهة التي تريدها، حتى وصل الأمر الى التقاط صورة تذكارية لرئيس معتوهي الطالبان مع بومبيو، رئيس معتوهي الديبلوماسية الأمريكية. أما على صعيد الإعلام، فقد ظلت المنابر القطرية، توفر لكل ممثلي أطياف ما يسمى "الإسلام السياسي" المنابر الإعلامية لكي يتقيأوا الكلام والرؤى العبيطة، والإفصاح عن النوايا التي يضمرونها. وكانت هذه الأعطية ولا تزال، هي بالضبط ما تريده وكالة الإستخبارات الأمريكية والموساد، ضمن حزمة خدمات ملعوبة. فالغرب كله، أساساً، سيكون معنياً بإتاحة الفرصة للمتطرفين والتكفيريين،  لكي يحرقوا أنفسهم بأنفسهم، وأن تتحقق الفائدة المعرفية، عندما تتهاجى فصائلهم مع شبيهاتها، أو يساجلون الآخرين من الوطنيين في بلادهم، وأن يعرض كل فصيل، من خلال السجالات، تفاصيل دواخله وأشخاص قياداته وكيف يرمشون. لقد كان ذلك اصلاً من مهام مراسلي وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية، الذين ظلوا يخاطرون بأرواحهم لكي يتعرفوا على عدو مفترض للغرب، يمكن استغلاله، لكي يعمل ضد البلدان العربية والإسلامية لإضعافها، ويدق الأسافين في مجتمعاتها ويصنع الفتن.  فعلى هذا الصعيد، خذ واشبع من مسميات وعناوين برامج "الجزيرة": "سري للغاية" و"ما خفي أعظم" و"للقصة بقية" و"الصندوق الأسود"   وشاهد على العصر وغير ذلك من العناوين المخابراتية، المتخفية وراء عنوان "الصحافة الإستقصائية"
  في مرحلة انتفاضة الأقصى، وكلما ارتفع منسوب الدم الفلسطيني المسفوك، وبلغت مظلومية الشعب الفلسطيني مدى لا تستطيع الولايات المتحدة نفسها السكوت عنه، وكلما خرجت في تل أبيب مظاهرات يهودية تندد باستخدام أحدث الطائرات الحربية ضد السقائف وعربات الكارو والمدارس والمساجد الفلسطينية؛ سرعان كانت "الجزيرة" تسحب من إرشيفها تحقيقاً مصوراً لتخفيض مستوى التنديد بمجرمي الحرب، طالما أن حماس تشكل هذا الخطر المريع على وجود دولة إسرائيل. فهكذا تحقيق مصور، تسمح به حماس ظناً منها أنه دعاية حربية معنوية يمكن أن تخيف إسرائيل، بينما هو في الحقيقة، من جانب "الجزيرة" وسيلة لإقناع العالم،  بأن إسرائيل غير ملومة على صب نارها الإغراقية على أطفال غزة، فتحت الأرض التي يجري فوقها الأطفال، بلاءات كبرى، وتحت أراضي القطاع،  هناك أراضٍ أخرى لحماس، هي الشقيقة الكبرى لكوريا الشمالية، إذ هي عبارة عن مدينة صناعية شاسعة، تزدحم بمصانع السلاح التي تنتج كل أنواع الصورايخ والقذائف. وفي أحد هذه التحقيقات عُرضت وقائع اختبار القذائف ضد الدروع وتصفيحها السميك، لذا فإن دك غزة بصورايخ تتوغل في الأرض، أمر طبيعي حتى يدمر المدارس والمساجد والبيوت.
 أما الجديد القطري الذي يستحق ثناءً خاصاً، فهو المروءة التطبيعية، إذ على الرغم من الخلافات، لم تتردد الدوحة في مساندة حديثي التطبيع، بالكشف عن شيء يتجاوز تطبيعهم ويتوغل في كيمياء إسرائيل وفي عمق فلسفتها الأمنية وفي صلب الموضوع العام وهو التسوية التي يريدها ترامب ونتنياهو أن تكون إسرائيلية محضة. فإن كان حديثو التطبيع يتحدثون عن حقهم  في اتخاذ قرارات سيادية، كان القطري الذي يساند أشقاءه بما هو زائد عن التطبيع وعن حدود صلاحية القرار السيادي، كمن يقول هأنذا أتدخل فيما هو أبعد من التطبيع، وأقف مع التسوية على أساس صفقة ترامب ـ نتنياهو التي يسمونها "صفقة القرن" التي رفضتها الدول العربية المطبّعة قبل الرافضة للتطبيع. إن هذا هو ما يستحق عنوان: ما خَفيَ أعظم!

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )