هل التحول الثقافي سلوك ام نهج في السياسة والاقتصاد؟

هل التحول الثقافي سلوك ام نهج في السياسة والاقتصاد؟

الدكتور عذاب العزيز الهاشمي

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

دبي- غزة بوست 

بقلم الدكتور عذاب العزيز الهاشمي

 بالتأكيد ليس جزافاً أن التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الناجحة بالتحول الثقافي، فالأخير هو محور التحولات الأخرى التي تبدأ باكتمال التحول  في المجتمع أو بالتساوق والتزامن معه، لأنّ الثقافة "سلوك اجتماعي ومعيار موجود في المجتمعات البشرية، وتعدّ الثقافة مفهوما مركزيا في الأنثروبولوجيا، يشمل نطاق الظواهر التي تنتقل من خلال التعلّم الاجتماعي في المجتمعات البشرية، بعض جوانب السلوك الإنساني، والممارسات الاجتماعية.

بما يطرح أحدهم التساؤل التالي، ما هي آليات التحوّل الثقافي ومن الذي يشرف ويقوم على تطبيقها وغرسها في تربة الفرد والمجتمع؟ إن هذا النوع من المسؤوليات المصيرية، يشمل الجميع بلا استثناء، فالمسؤولية جماعية، لكنها تختلف في درجتها حسب المركز الوظيفي والاجتماعي، لذلك على الفرد  أن يسعى بقوة وينشد التحوّل الثقافي الذي ينقذه وينقله من تسلّط حفنة من المسؤولين الذين لا يعنيهم تطوير الحياة في المجتمع.

فهناك ممن يتبوّؤون مراكز مهمة في صناعة القرار، لا يعنيهم سوى مصالحهم وهو أمر مفروغ منه، ومتى ما تغيّر الفرد  ثقافيا وتخلَّقتْ لديه القدرة على مواجهة الجهل والاستئثار والاستحواذ، بقوة الوعي والإرادة الصُلبة، يكون التحوّل الثقافي قد أعطى نتائجه الصحيحة التي ستنعكس على حياة المجتمع تقدما واستقرارا وتطورا.

يجب أن نعترف بأن ثمة تغيرا ثقافيا هائلا وليس تغييرا ثقافيا شهده المجتمع العربي، وثمة فرق بين التغير والتغيير، بمعنى ان عمليات الهدم والبناء لم تكن موجهة او مدركة ولا مخططا لها في سياق مشروع تحديث وطني له ابعاده الاقتصادية والسياسية، فما حدث يبدو في اتساع الهوة بين فئات اجتماعية محدودة او طبقة اجتماعية رقيقة استفادت من عمليات التحديث الاقتصادي واخرى دفعت ثمن هذه العمليات وشهدت ما يشبه الردة الاجتماعية – الثقافية التي باتت تبرز نتائجها بالتفاعل مع عوامل اقليمية وعالمية وانتجت ظواهر مثل التطرف والمغالاة في ردود الافعال والرفض وحالة السلبية العامة والانفعالات المجتمعية الحادة، في الوقت الذي ساهمت الردود الرسمية على هذه الحالة في اعادة انتاج اشكال جديدة من تعبيرات الريعية السياسية والاقتصادية.

بالتاكيد ان هناك أزمة مجتمعية ذات حمولة ثقافية لا يلتفت إليها كثيرا حينما نناقش قضايا الإصلاح والنهضة في بلادنا تتلخص في طول المرحلة الانتقالية والتي عادة تنتج ما يسمى “ثقافة العبور”، ويقصد بها جميع القيم والمعايير والرموز والإشارات التي تصاحب حركة المجتمع في انتقاله من مرحلة الى أخرى ؛ أي الثقافة التي تسود أثناء مرحلة التحول، أثناء العبور ثمة ثقافة للطريق إشارات وزحام وأصوات متعددة وتنبيهات وتناقضات ثمة شك وريبة وتراجع في الثقة العامة، كلها تشكل أطرا ثقافية دُرست من قبل الانثربولوجيين ولم يلتفت إليها الآخرون، و بقينا أسرى ثقافة الاستعداد الى الإقلاع المملوءة بالحشد والتعبئة وعدم الحسم والتجريب، وبينما تنشغل ثقافة الاستعداد للإقلاع على النخب والخطاب النظري وادارة الجموع والدفاع والحماية، ينشغل منظور الهدم والبناء في مرحلة ثقافة العبور على الناس وعلى القواعد الاجتماعية العريضة وعلى تمكينها من تقديم البدائل.

ضمن الرؤى السائدة، كانت رؤية ان اللقاء بين الحضارات او الثقافات هو لقاء ممكن، بينما اللقاء بين المصالح السياسية هو الصعب والمعقد. حدثت لقاءات سياسية واتفاقات سياسية، لبعضها كان أثرا سلبيا على الموقف السياسي العربي .

اللقاءات والاتفاقات السياسية لم تنجح في التأثير كما يظهر حتى اليوم على أخطر قوة عربية في المواجهة – الثقافة العربية.

الثقافة وقفت بمعارضة كل الاتفاقات, مثقفو الأنظمة لم يفلحوا في تحقيق تحول ثقافي الى جانب سياسة التطبيع السياسية .

البعض رأى ان خوف العالم العربي/الشعوب العربية، والأصح القول ممثلي الثقافة العربية من التطبيع الثقافي مع اسرائيل، هو خوف مبالغ فيه، لا قاعدة منطقية له، وأن الثقافة العربية تملك أدوات متينة، تشكل قاعدة مثالية للتفاهم وحل الاشكالات الباقية والصعبة، خاصة وأن الثقافة العربية ذات جذور عميقة في الأرض ووراءها تاريخ عظيم وواسع وممتد من الانجازات التي لا يمكن هزيمتها بالمواجهة مع ثقافات اخرى، بالأساس مع الثقافة الاسرائيلية التي لا تزال ناشئة وبلا جذور عميقة.

استنتج البعض ان التطبيع الثقافي يجب ان يخيف الاسرائيليين الذين يضغطون ويتحمسون للتطبيع، ويرون فيه قاعدة من القواعد الأساسية والأكثر أهمية للتطبيع الشامل في الشرق الاوسط، لجعل التطبيع السياسي حقيقة قابلة للتعايش في الشرق العربي، تتسابق اليها سائر الدول العربية، والأهم ان قبول اسرائيل ثقافيا سيعزز حقيقتها الشرق اوسطية.

هذا الموضوع اثار اهتمام أوساط واسعة من الأدباء وأصحاب الفكر والرأي... لكن الكثيرين مع الأسف تحدثوا من منطلق سياسي عام أو عاطفي أو ديني. ما زال الموضوع يحتل حيزا من الكتابات والحوار في العالم العربي

رؤيتي ان الموقف من التطبيع في اطار الاتفاقات المذلة، والظروف السائدة في الشرق الاوسط، لا يترك مجالا آخر غير الرفض، خوفا من ان تتحول ثقافة الأقوى اقتصاديا وعسكريا وعلميا الى الثقافة السائدة والمسيطرة والمقررة.

يجب التأكيد على موضوع هام، وهو ان الثقافة ليست وقفا على الابداع الروحي فقط. الثقافة تشمل الى جانب الابداع الروحي (من أدب وفنون) الابداع المادي للمجتمع أيضا، قد يكون خطر التطبيع اعظم شأنا على الجانب المادي في الثقافة – أي الانتاج الاقتصادي والتطور العلمي والاجتماعي للمجتمعات العربية... بتحويل العالم العربي الى سوق للإنتاج الإسرائيلي المادي، واضيف اني أرى ملامح سلبية في الاقتصاد والتطور الاجتماعي والعلمي في العالم العربي كله.

إن موضوع الحضارة بحد ذاته هو مادة واسعة للغاية، هناك تضارب في مفاهيمنا الحديثة عن الحضارة، لكني اطرح وجهة نظري بتعميم وانا على قناعة ان الحضارة في جذورها هي "المدنية" وتشمل كما اوضحت وأكرر مجموعة الانجازات المادية والروحية، هناك دمج دائم بين مفهوم الحضارة والثقافة ومع ذلك نجد أن المعنى السائد في المجتمعات الدمقراطية الغربية عن الحضارة، هو كونها انجازات المجتمع المادية من علوم وتكنولوجيا ورقي اقتصادي واجتماعي، ويستعملون اصطلاح الثقافة للدلالة على القيم الروحية فقط – أي الابداع الادبي والفني والأخلاق.. لذلك من المهم ان نفهم ان صيغة صراع الحضارات تعني في المفاهيم الغربية الصراع بين التقدم الاجتماعي، العلمي، الاقتصادي والتكنولوجي العاصف، وبين مجتمعات متخلفة بمراحل تاريخية مخيفة عن ركب التطور، وتعيش على هامش نظام العولمة  وعلى هامش الحضارة، وبدل المساهمة الحضارية، تنشأ ثقافة روحية تبريرية متمسكة بالماضوية كطريق آخر في مواجهة المجتمعات الغربية المتطورة – أي ثقافة العجز، واليوم تطورت تلك الثقافة الى حركات ارهابية تحث صيغة الدين، ثقافة تقود الى العدائية والخوف من الرقي الحضاري. لا ابالغ بالقول ان ظاهرة العنف الدموي المقلقة والمؤلمة التي نشهدها في العالم العربي اساسا وطالت مختلف ارجاء العالم هي نتاج اغلاق الطريق امام المجتمعات العربية لتكون جزءا مشاركا في ثمار النهضة الحضارية.

ما أخافه ان يفرض التطبيع نفسه قبل نجاح العرب في خلق توازن مدني/حضاري. ولن استهجن، في هذا الواقع المتردي والعاجز ان تواجه الحضارة العربية ما هو اسوأ من كارثة فلسطين كيانا، ثقافيا وحضاريا ولازلت تتلقى المزيد من القريب

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )