هشاشة ! بقلم الكاتبة سجى حمدان

هشاشة ! بقلم الكاتبة سجى حمدان

صورة تعبيرية

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

غزة - خاص غزة بوست

وصلتُ قاعة التأبين، قدماي مرتجفتان وجسدي باردٌ منكمش، قلبي بنفس المشاعر التي تقابلنا فيها للمرة الأولى عند أحد مفترقات الحياة حين أعلمتني أنَّ تقديمي للأشياء أعجبك..
كانت هناك فتاةٌ في الاستقبال تبتسم إلي وتعطيني وردة، ابتسمت لها في المقابل وكأننا كنا بهذا نؤدي واجباً رسمياً..
لا أدري لم ظننتها تشبه الوردة التي أهديتني إياها أول مرة؟

مشيتُ في الممر المؤدي إلي القاعة حيث كان مزيناً بصورك أنتَ والرفاق واحداً تلو الآخر، أخذتُ أبحث بينهم عن صورتك، كنتَ الأول لكني لم أرَكَ في البداية..

دوماً ما كنتُ أبحثُ عنك بعيداً بينما تقبعُ ملتصقاً بي وفي منتصف الفؤاد!
لم يجلسوني على تلك الكراسي الشرفيَّة، ربما كان في حفل تأبينك عناصر أهم من قلب لم يعرف الوجيب إلى سواك..

وبالمناسبة كان ذلك أفضل لي، لم أُرد أن تظهر دموعي على مرأى الكاميرات والصحافة التي أجادت التجارة بالمشاعر، ربما لدموعي الستر والإخلاص في المقاعد الخلفية أكثر.
فُقدت الألوان ومحاولة التنفس باتت عبثية الجوانب والأسباب..
كان بإمكاني ألا أذهب ولا أن ألبي الدعوة، إلا أني تعمدت إحراق روحي ربما بذلك تتعافى عن الشوق إليك..

كانت أمك بينهم حمامةً كسيرة الجناح، لم أرد أن أذهب إليها فتضغط كلُّ واحدة منا على الجرح المستعصي لدى الأخرى وتنفجر ذاكرةُ كلينا بالبكاء..

يستمر المتكلمُ في تقديمه لك، وكأنه يحفظ تفاصيلك أكثر مني ليتولى تلك المهمة، ولا يصمت بين الجملة والأخرى كما كنت تقول لي لنحافظ على مشاعر الجملة الأولى ونتهيأ للثانية..
تتوالي صورك على الشاشة الكبيرة، أتجنب النظر إليها لا لأني أحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب، لكنني لم أكن أقاوم ضحكتك وغمازتيك الغارزتين حيث اعتادتا الاستهانة بالحياة ومصائبها!
أسلاكٌ شوكية تعتصر مجرى الحلق، ودموع تشتبه في العينين تتوالى محاولات كبحها..

هممت بالمغادرة قبل انتهاء الحفل، في منتصف خطاب أبيك، تماماً حين خذلته حنجرته وانقطع عنه الكلام ثم أدركنا بعد ذلك أنه أجهشَ بالبكاء فوق المنصة.. دون أن يدري.
خرجتُ بك معي، في أحد جيوب سترتي الأقرب منها إلى القلب..
الحب لا يموت برحيل من نحب، يرفض القلبُ استيعابَ أية كوارث جديدة أو حوادث إضافية؛ وذاك جمال الحب، وذاك مصيبته وانخناقه في آن!

قدماي قادتني إلى الخارج ربما بإشارة ما من الدماغ كي أبقى على قيد العقل، كان قد امتلأ المكانُ بطيفك، لم يكن لديك أصدقاء وأقارب وأحباء مثلنا، للمرة الأولى أُدركُ أنَّكَ تمتلك شعباً، ولا يمكن لقضيةٍ آمن بها شعبٌ أن تموت ..

أخرج إلى الطرقات التي مشينا بها كثيراً، ذهاباً وإياباً حتى حفظتنا الحجارة أكثر مما كنا نحفظها..
الأماكن بعدك تصرخ في أذنيَّ كالمجنونة، وكأنها تأبى فراغها دونك وإن اكتظت بالناس، والشوارع تدوسُ على قلبي بدل أن أدوس عليها وهي تحتفظ بوقع قدميك جانبي دون أن أجدك..
وبدل أن أمرَّ بالأماكن تمرُّ الأماكنُ بي؛ ألا تجدها حالةً من الجنون أن يستمر الكون على حاله وكأن حدثاً جللاً لم يحدث؟!
أذهب إلى المقاهي ذاتها فأجدها معتمة وأستغرب كيف كان لوجودك أن ينيرَ ظلامها ويكسر حدة وحشتها؟!
كيف يكسو الحزنُ ملامحنا بهذا الإتقان؟ هل رأيت سابقاً كيف تحزن الجدرانُ؟ وكيف تتغيرُ ملامحُ الأبواب؟! وكيف تبكي التفاصيلُ الصغيرةُ منتحبةً على رحيلِ صاحِبها؟!

لن أرجع إلي، لا أستطيعُ أن أفعل!

لا تقنعني أننا نتجاوز الأحداث ونمضي لأن الحياة تستمر.. الحياةُ تستمر لا ريب في هذا، لكن نحن المسألة، قلوبنا هي المعضلة، أدمغتنا تظل متوقفة والحياة تركض، باهتين نحنُ والشمسُ يتبعها القمر والكون في حالة دوران لا ينبغي لها أن تتوقف..

بعد عتمة الليل تبزغ الشمس، ويتجول بائعي الخضرة، ينزل الناس إلى الشوارع كلٌّ إلى حاجته، يذهبُ الطلاب لمدارسهم، الموظفون كلٌّ إلى عمله، يلعبُ الأطفال ويُصلي الشيوخ..

وهل تتخيل؟ لا يفقدُ الناس قدرتهم على الضحك!

أنت الواقف الوحيد.. وما حولك يركض إلى زوالٍ عجيب!

كيف للإنسان أن يستطيع وصف ما يلجُّ داخله من عواصف وتقلباتٍ قلبيةٍ مناخية؟ ما هو مدى الحزن الذي لا نستطيع معه أن نجد في الكلمات متسعاً كافياً للتعبير عن الشعور ولو اجتمعت كل الحروف واللغات والقصائد وأوزان الشعر؟

ألم تقل لي يوماً "بعضُ الأشياءِ لا توصف، فهي غنيةٌ عن التحليل وساميةٌ عن الوصف"، كنا يومها نتحدثُ عن الوطن جالسين أمام الشاطئ الذي تحبه، وترتدي القميص الأزرق الذي أحبه..

ترحلُ اليوم لأجلِ الوطن الذي لا تستطيع وصفَه، وتتركني على أعتابِ فقدك فلا أستطيعُ وصفه!

أعود إلى غرفتي، ويذهب نظري سريعاً إلى زاوية بين حائطتين حيث الصندوق الذي جمعتُ فيه كل شيء ينادي باسمك، محاولةً فاشلةً مني كي أًبعدك عن مجال الرؤية، مُتجاهلةً عين القلب التي لا تُخطئ الأشياء حتى لو كانت غير محسوسة..

كانت زجاجة عطرك الفارغة حتى المنتصف تتربعُ وسط دوامة أشيائك، كنتُ قد أهديتها لك في أول ميلادٍ لحبنا..

قربتها من أنفي، ولربما حين أفرغْتَها حتى المنتصف أَجريتَ صفقةَ تبادل فاختزلتَ روحك في النصف المقابل..

ثم فكرت..

أَتكونُ أقصرَ قصةٍ حزينة: زجاجةُ عطرِ حبيبٍ رحل؟

الكاتبة سجى حمدان 

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )