"إلى من أدرك أن اللغة هيّ البقاء فصار خالدًا" بقلم/ ايهاب الغرباوي

"إلى من أدرك أن اللغة هيّ البقاء فصار خالدًا" بقلم/ ايهاب الغرباوي

ايهاب الغرباوي

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

الأدب - عزة بوست 

 

إلى من أدرك أن اللغة هيّ البقاء، فصار خالدًا .. بقلم/ ايهاب الغرباوي.

 

 

ليسَ هذا الحديثُ حديثًا للعامةِ، وليسَ حتّى محاولةً للفضفضةِ أو (إفراغِ الذهنِ من محتواه)، هذا النصُّ ورطةٌ، ورطةٌ وحسب.

ليس منَ السهلِ أن تكتبَ عن حسين البرغوثي، أو أنْ تتحدثَ عنهُ، فحسينْ نفسهُ يعتقدُ بأنّ: "كلَّ تعريفٍ تقليص." كانَ هذا ما يراهُ حينَ يكونُ مطالبًا بتعريفِ نفسِه، فلربّما، لو أنّ حسين كان هنا، لقالَ: أنا بحرٌ، واللغةُ نقطةٌ، نقطةٌ في هذا البحرِ. واللغةُ، اللغةُ اختصارٌ للكثيرِ مما غُيّبَ عنها.

ليسَ من السهلِ أيضًا أن تحدِّدَ نقطةً للبدايةِ، فحسين اعترف بأنه لم يكنْ بوسعهِ أن يفعلَ ذلك، أو هذا، على الأقل، ما يوحي بهِ سيرُهُ ليلًا بين جنائنِ اللوزِ باحثًا عن هذهِ البدايةِ في نهاياتِ قدورة وسعوطة، في خوفِهِ من الغريريا، ومنَ العظامِ التي تنبشُ في الفُستقيّاتِ، أو الكهوفِ كما نعبّر عنها هنا، بعيدًا عن الديرِ الجوّاني.

تبدأُ الرحلةُ، رحلةُ البحثِ عنِ الحياةِ، أو الكمالِ، ربّما، بهربٍ مجهولِ الدّوافعِ، من رام الله، تلك المدينةُ التي تسهرُ فيها القططُ السائبةُ على الأرصفةِ، وتخافُ الفتياتُ السيرَ ليلًا في شوارعها خشيةَ التعرضِ للاغتصابِ، كما وصَفَهَا حسين آنذاك، وتنتهي في تلكَ البقعةِ أيضًا، بعدَ ثلاثين عامًا، في جنانٍ من الجمالِ الذي تمّتْ خيانته، حسبَ الوصفِ الذي جاء على لسانِ حسين، بعدَ أن عرفَ بأنّ اللهَ في التفاصيلِ. الجمالِ الناقصِ، البعيدِ عنْ أنْ يكونَ كاملًا، فقد تخلّى صاحبنا عن فكرةِ الكمالِ، منذُ زمنٍ.

"لا يوجدُ شيءٌ كاملٌ، لا ما كتبتُه، ولا ما سوفَ أكتُبُه، تركتُ هذهِ الفكرةَ منذُ دهرٍ، وكلُّ ما أتمناه، هو أنْ أتركَ أثرًا على هذا الكوكب، وذاكِرَتِه". وهذا حديثٌ فاضحٌ آخر، هذا الخوفُ الدنيويّ على ذاكرةِ الكونِ، خوفُنَا التلقائيّ من أنْ نفوِّتَ الصورةَ الجماعيةَ لنهايةِ هذا العالمِ، لنهايةِ ذاكرتِه. ربّما، ربما كان هذا ما دفعَ حسين لكتابةِ السيرة، ربما أنّه أرادَ البقاءَ حيًا، حيًا إلى الأبدِ، في كتبِه.

ربما، بعد قرنٍ من الآن، أو بعدَ ألفيةٍ أخرى من الزمنِ الذي لا يعرفُ إلا الذهابَ، سنستحيلُ سطورًا في كتابٍ ما، أو ربما، في الهواءِ، فالطقسُ يبدو ممكنًا جدًا لذلك. ربما، لن يستغرقَ سردُ تاريخنا سوى حصةٍ واحدةٍ من تاريخِ أسلافِنَا. ربما، سوف يعاملوننا بسخريةٍ مطلقةٍ أثناءَ تحضيرهم لاختباراتِ نصفِ العامِ، أو الثانويةِ العامةِ، ربما، سيقولُ الكتابُ، أو الهاتفُ الذاكي، آنذاك: عاشَ شعبٌ هناك، تحتَ وطأةِ الاحتلالِ، وتحتَ وطأةِ نفسه الأمَّارة بالسوءِ، أعوامًا لا تكادُ تُذكرُ من عمرِ التاريخِ، ومضوا، لقوا حتفهمْ جميعًا في انهيارٍ ما. هذا، كلُّ هذا لا يعني شيئًا، كلُّ هذهِ المشاعرِ المتضاربةِ، الحزنُ، والخوفُ، والفراغُ، كلُّ هذا لن يعنيَ شيئًا آنذاك، لكنَّ حضورًا ما، حضورًا شخصيًا بحتًا، سوفَ يكونُ أقوى من حضورِ دهرٍ من الولاداتِ والوفياتِ، حسين، حسين سوف يبقى موجودًا بين جنائنِ اللوزِ، إلى الأبدِ، ليخبرَ العالمَ آنذاكَ عنّا، عنّا جميعًا.

"ربما كان أنانيًا بعضَ الشيء" هل كانَ يعرفُ هذا بالفعلِ؟ هل كان يعرفُ أنّه، حين نفنى، سيبقى هو؟ خالدًا مع حكاياتِه، عن دانا، وبري، وسوزان، وقدورة، وسعوطة؟

دانا، تلك الجميلةُ كانهيارِ الثلجِ عن قممِ الجبالِ، فيضهُ الأولُ، وبدايةُ الخوفِ. الضفةُ الثالثةُ لنهرِ الأردنِ، حسين يهذي لغةً تشبهُ الشعرَ، أو أغنيةً لا زالت عالقةً في فضاءِ الذاكرةِ. الرحلةُ إلى هنغاريا، بودابست، المتاهة، العالمُ يبدأ منَ الخارجِ، ويلامسُ حسين في أعماقِه. دانا، مرّة أخرى. هذا الكتابُ محاولةٌ للهربِ، محاولةٌ للهربِ من المكانِ وذاكرَتِه، والبحثِ عن ذاكرةٍ جديدةٍ، وبدايةٍ مختلفة. حسين يهربُ من رام الله، ومن الديرِ الجوّاني، ومن ضباطِ الاحتلالِ الذين يثيرونَ حفيظةَ الليلِ. هذا لا يعجبه، لا زال شابًا في عمقِ روحه، ومن حقِّه، كما يعتقد، أن يختارَ بدايةً أخرى، يوثِّقُ فيها نفسَهُ للزمنِ.

أمّا بري، فصوفيٌ من قونية، تركيا، طائفة الدراويشِ الدوّارينَ، قالَ إنّ أباه كانَ ضابطًا تركيًا ذهبَ إلى الولاياتِ المتحدةِ في دورةٍ عسكرية ولم يرجع، فنشأ هو هناك، وتعلَّمَ الفلسفةَ وعلمَ النفسِ السياسيّ، وقررَ كتابةَ بحثٍ عن القوانينِ التي تحكمُ الكونَ والذهنَ، فعادَ إلى تركيا، وصارَ صوفيًا، ثم تركَ كلَّ شيءٍ وصارَ مجنونًا أو مشردًا، أو أية صفة أخرى نطلقُهَا على من لا نفهمهم. الضوءُ الأزرقُ، أجعلُ نفسي ضمةَ وردٍ على بابها، رحلةٌ إلى أغوارِ الذاتِ، حيث العالمُ يبدأ من الداخل، وحسين يبدو أنضجَ بكثيرٍ مما كان عليهِ حين حلّ في هنغاريا. بري يملكُ عقلًا من ذهبٍ، ناصعًا لا يذوي، وحسين يطارِدُهُ، بين المقاهي والسينمات والبارات، في سينامتك الوهمِ العظيمِ، وحانةِ القمرِ الأزرقِ، ومقهى المخرجِ الأخير. حالةٌ من تقصِّي العقلِ، لا تشبه شيئًا سوى ذاتِها، وحسين هنا، يرى العالمَ من داخِلِه، أيامٌ متواصلةٌ بلا نوم، سهرٌ مع دواماتٍ من الفكرةِ وما يدورُ في فلكها. هنا هدمٌ وإعادةُ تأهيلِ للذاكرة، بناءٌ جديدٌ ربما، بعد التيه في هنغاريا. هنا بقاءٌ جديدٌ لثلةٍ من المشردين الذين سيعرفهم التاريخ أكثر منّا.

وبعد ثلاثين عامًا من هذا الحلِ والترحال، من هذه الحواراتِ الهامشيةِ، يعودُ حسين ليضيف شيئًا آخرَ إلى ذاكرةِ هذا العالم، يعودُ إلى الدير الجوّاني، إلى البدايةِ التي لا يعرفُ عنها شيئًا سوى ما تخبرهُ إيّاه بكاءاتِ الغريريا في الليالي المقمرة، وحكاياتِ أمّه عن نايف، وقدورة، وسعوطة، تلك التي تشمُ السعوط، ونايفة، الغجريةُ التي تفوقت على حماتها في جمع الحطب، فعضتها الأخيرة، لتهربَ نايفة في فيء ما، ويغضبُ قدورة، ويطلب من زوجها وأهله مهرًا بقدر كرامته.

حسين قال: إن زرتني، ستجدني بين اللوز. بين اللوز صار، متمنيًا في اللحظة الأخيرة ولو شهبًا واحدًا يخبره بأنّ اسمه حفر في سماء هذا الكون، ليرحل عنّا بعد أن منعه الإحتلال من السفر إلى الأردن لتناول جرعة الكيماوي خاصته، ليمضي أخيرًا بين اللوز.

يعيش حسين في ذاكرة العالم، بينما نفنى، يعيش في ما قال عن نفسه، بينما نفنى، وإن بحثتم عنه، تجدوه بين اللوز.

الكونُ نهرٌ وهرم.

إنْ مِلْتَ إلى تتبّع النّهرِ، مع الموجِ رحتَ.

وإنْ مِلْتَ إلى جهةِ الأهراماتِ، كنتَ مع الثبات.

قدرُ الرّوحِ ما تميلُ إليه.

إن مِلْتَ للعتمِ في النارِ، كنتَ مع اللونِ.

وإن مِلْتَ مع النّار، كنتَ مع الحركة.

إن مِلْتَ إلى رقصاتِ الغجرياتِ، كنتَ مع الشكل.

وإن مِلْتَ إلى ميزانِ الذهبِ، كنتَ مع الدقة.

إن مِلْتَ إلى ما كُنْتَ، كُنْتَ معَ الذاكرةِ.

وإن مِلْتَ إلى ما ستكونُ، كنتَ مع المنفى.

وإن كنتَ سفينةَ الشفقِ البحريّ، كنتَ مع الحريةِ فالبحرُ مغادرةٌ دائمةُ المغامرةِ.

 

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )