"في اكتظاظ الحياة باللّمعان" للكاتب/ زياد خدّاش

"في اكتظاظ الحياة باللّمعان" للكاتب/ زياد خدّاش

الكاتب الفلسطيني زياد خداش

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

غزة - غزة بوست 

 

(1)
لأن العقل يخاف والعيون قابلة للرشوة، لم أصل، ذهبت مدفوعاً بعقل متأجج وعيون ثرثارة إلى أماكن كثيرة ركضاً مرة ومشياً مرة أخرى، ولكني لم أصل إلى أي مكان، حتى صار الطريق نفسه مكاني..
يا لها من فرصة، الآن سأخرج إلى عاصفة رام الله، تلك التي أعرف أنها لا تجامل ولا تكذب، أسلمها جسمي بهدوء، مغمضاً عقلي وعيني؛ ربما تأخذني إلى مكان ما. أستطيع هناك أن أصيح: هأنذا أخيراً بضربة عاصفة قد وصلت، فاصمت يا عقلي وتنحَّيْ يا عيوني.

(2)
أم قيس تحرس سمخ.


هذا الرجل اسمه طالب حلمي الرويعي بلاونة، هذا الرجل الأردني العلماني المثقف المزارع الفقير، سكن فترة من حياته في مخيم الحصن ملتحماً مع هم المخيم وتطلعاته. هذا الرجل الذي يسكن (دير علا) في الغور الشمالي الأردني لديه بنت صغيرة اسمها سيرين، هذا الرجل كان كل صباح (كفرض وطن) قبل الفطور وفور النهوض من النوم يقف لدقائق أمام نافذة تطل مباشرة على جبال  فلسطين مع ابنته سيرين ويشير لها إلى (هناك) قائلاً: (يا ابنتي لدينا بلاد هناك اسمها فلسطين إياك أن تنسيها)، هذا الرجل الذي اسمه طالب كان فقيراً جداً، وكان حليفاً جداً للفقراء، هذا الرجل كان لديه قطعة أرض صغيرة يزرعها أشياء كبيرة أهمها الحب وفلسطين والشعر، هذا الرجل كانت لديه ثلاث أيادٍ، يصطحب معه أينما ذهب الكتب بيد وسيرين بيد أخرى، وفلسطين بيد القلب. هذا الرجل كان بإمكانه أن يصبح رجلاً مهماً لو استخدم كغيره اسم العشيرة وجسر العلاقات، هذا الرجل قرر أن يظل فقيراً مع روحه الغنية وإحساسه الشعبي الطازج.
هذا الرجل الذي اسمه طالب بلاونة أصدق تعبير عن العلاقة  الفطرية الشعبية الأردنية الفلسطينية البعيدة عن شروط وهاجس السياسة والخالية من فوبيا الجغرافيا المفتعلة.
هذا الرجل الذي اسمه طالب مات ظهيرة أمس صريع سرطان الرئة. هذا الرجل الذي كان صديقي قال لي مرة: اطمئن يا زياد، ما زالت أم قيس تحرس سمخ.
لو قُدر لعصافير الغور الكلام ستحكي غداً عن بنت أردنية صغيرة اسمها سيرين، ستقف مع دميتها كل ريق صباح أمام نافذة بيتها  مشيرةً لدميتها إلى فلسطين ومرددة جملة ثابتة: (هناك يا ابنتي تقع بلاد لنا اسمها فلسطين، إياك أن تنسيها).
هذا الرجل كان صديقي، كان صديقي، كان صديقي.

(3)
سيّارتان مّرتا عني في الشارع ذاته: إحداهما هابطة تحمل شخصاً موشكاً على موت، والثانية صاعدة تحمل عريساً، موشكاً على مستقبل.
في الشارع ذاته، أصغيت جيداً الى دبيب سيارتين في جسدي: إحداهما تحمل احتضاري والأخرى تحمل رقصتي.
جنباً الى جنب، وبهدوء محيّر، تسير جنازاتنا مع أعراسنا في اللحظة ذاتها والشارع ذاته.
في لحظة ما، ربما تصاب سيارة العريس بعطب مفاجئ، بمرح ينزل الأهل والعريس لتفقدها، وينسون (في اكتظاظ الحياة باللّمعان) أن السيارة الأخرى القادمة من الاتجاه الآخر، لا تفهم معنى المستقبل.

(4)
أحضرني سيدي إلى جذع شجرة زيتون في بلدتي المسروقة المهجرة بيت نبالا- الرملة قبل سنوات طويلة، كنت ابن عشر سنوات، أُمسك بيده ونتقدم معاً ببطء، جلس سيدي تحت الجذع يتنفس بصعوبة، كان فمه على وشك أن يقول شيئاً ما، وكنت أستحثه على الكلام دون جدوى.
- بدك تحكي إشي سيدي؟ احكي يا سيدي شو بدك اتقول؟
كان نفسه يضيع منه ويبدو أنه على  وشك أن يختنق ولم يقل كلمة.
 قبل أسابيع عدت وحدي إلى الجذع كهلاً في الخمسين، نظرت طويلاً إلى داخل تجويفه طالباً منه أن يقول لي شيئاً، فسمعت أنفاساً  متلاحقة مختنقة ولم أسمع أي كلمة.

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )