دفاتر الأيام

"إننا لـم نشكرهن حتى الآن" بقلم الكاتب الفلسطيني/ زياد خداش

"إننا لـم نشكرهن حتى الآن" بقلم الكاتب الفلسطيني/ زياد خداش

الكاتب الفلسطيني زياد خداش

طباعة تكبير الخط تصغير الخط
<
p>غزة - غزة بوست 

 

ما زلت أذكرهن، أمهات بأثواب فلسطينية، فلسطينية جداً، في مساءات وصباحات قديمة محفوظة في ذاكرة الجلد والدم والروح، كن يتجولن فرادى أو زرافات، في الشوارع الـملتهبة، والأزقة الثائرة ضد ظلـمة الاحتلال، في زمن الانتفاضة الأولى، كن دائماً جاهزات دون توجيه أو تنسيق مع أحد، شيء يشبه الاستجابة الغريزية إلى نداء يصدره الوطن كله بما فيه حجارته وغيمه وشجره، ليهجمن على كائنات العتمة الوقحة، أولئك الجنود الحمقى أو الـمساكين، الذين كانوا يعتقدون أنه بالإمكان وقف تسرب الضوء من الشمس إلى الشجر والنباتات والحدائق، أمهاتنا الرائعات اللواتي لا نعرف أسماءهن حتى الآن، ولا نعرف أين هن الآن، كن يهجمن على الجنود، بقوة وغضب الأمهات الحقيقيات، بسواعدهن وعيونهن وصيحاتهن، يحاولن تخليصنا نحن الصغار الـمجانين، راشقي الحب والأمل والحجارة، عشرات الأمهات الـمتجولات، بأثواب فلسطينية تماماً، يشددن ثيابنا، الجنود يشدون أيادينا، الـمعركة الغريبة متواصلة، أجسادنا النحيلة والصغيرة هي ساحة الـمعركة، الجنود غاضبون، حائرون، كيف يكون لطفل واحد عشر أمهات؟ الأمهات يصرخن: ابني ابني، فلت ابني يا حيوان، ابني هذا ابني، يضجر الجنود أو يخافون أو يستسلـمون، تنتصر أمهاتنا الـمجهولات، تتحرر أجسادنا، نهرب نحن الـمجانين الصغار بقمصاننا الـممزقة، وضحكاتنا الـمجنونة، إلى شارع آخر، لأمهات أخريات ينتظرن على الـمفارق بأثواب فلسطينية جداً، لجنود آخرين، حجارة أخرى.
يا أمهاتنا الـمجهولات الـمختفيات الجميلات أين أنتن الآن؟ كم افتقدتكن! أفتقد قميصي الـممزق، والجني الذي كان يسكن جسدي وعيني، ماذا تفعلن؟ أهدتكنّ هموم الحياة؟ أم خذلكنّ الوطن، وغزتكن الأمراض؟ أنت يا أمي، يا محررتي، أيتها السبعينية، يا بائعة العنب على مدخل سوق الخضار، ألست واحدة من أمهاتي؟ ما بك تنظرين بتوجس إليّ هكذا وكأنني لص يريد سرقة عنبك؟ أنا أحد أبنائك من ذوي القمصان الـممزقة، ألا تذكريني؟ أين زميلاتك الرائعات: أم محمد أم صابر أم جمعة؟ أنا لا أعرفهن، لكني أعطيهن أسماء من وعيي الوهمي الـمعذب حتى أرتاح وأراهن، أريد أن أشكرهن، إذ إننا لـم نشكرهن حتى الآن، فقد كنا صغاراً مشغولين ومسرعين، لـم تكن كلـمة الشكر واردةً بيننا، هل سمعتم ولداً يقول لأمه شكراً لأنها تحكم غطاءه في السرير؟ راشقو الحجارة كبروا الآن يا أمهاتنا، صاروا في الخامسة والخمسين، تكالب الالتباس واللاوضوح على روحنا من كل صوب، مرضى ومتخلفون وفاسدون وعملاء وتافهون وضيقون، سُدت طرق كثيرة أمام الوطن، لـم نعد نقوى على حمل الحجارة ورشقها، صرنا نحمل كتباً ومدناً وأقلاماً وصور أصحابنا الـميتين، (والذين سيموتون) وأحلاماً، هي حرب أخرى حزينة وغريبة على جبهة أخرى، كم نحن بحاجة الآن إليكن، يا أمهاتنا الـمجهولات لتشددن ثيابنا، تمزقنها، وتصرخن على خوفنا وحيرتنا وقلقنا والتباس المرحلة: فلتوهم، هؤلاء أبناؤنا، فلتوهم فلتوهم، فلتوهم.

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )