"أنا كل شيء هذا الصباح" بقلم الكاتب الفلسطيني زياد خدّاش

"أنا كل شيء هذا الصباح" بقلم الكاتب الفلسطيني زياد خدّاش

الكاتب زياد خداش

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

غزة - غزة بوست 

 

(1)
بعد أربعين عاما وبينما كنت أشارك أهل صديقة ريفية قطف ورق القرنبيط في صباح قرنبيطي وادع، عرفت أني تعرضت طيلة هذه السنوات لأجمل خديعة في العالم، كانت أمي (تلف) لي ورق القرنبيط على أساس أنه ورق الملفوف الذي أعبده، وذلك لغلاء الملفوف أو عدم تواجده في السوق، قلت لأمي مرة إني كنت في حياة سابقة حقل ملفوف، وكانت هي تضحك وتقول: وماذا كنت أنا؟ فأجيبها: كنت أنت يا أمي فلاحة يبوسية مهمتك رعاية هذا الحقل، كانت تضحك منتشية بهذا الدور.


(2)
ليس لديّ فوبيا ممرات ضيقة، لديّ فوبيا كرامة محطّمة، لم أستطع أن أقف مع الواقفين في الممر الضيق جداً جداً في معبر قلنديا بانتظار أدوارهم للتفتيش، حشرت جسمي حشراً لأقل من ربع دقيقة وحين لمحت من وراء السياج جندياً يتثاءب وسع يديه وفمه وعينيه، عدت حزينا إلى رام الله، وهناك حاولت أن أتثاءب مثله وسع يديّ وعينيّ وفمي، فارتطمت يداي بيديّ شرطي فلسطيني كان ينظم بهدوء غريب ضياع المدينة.
(3)
فوجئتُ بها في السوبرماركت، تشتري نفس ما أنوي شراءه، تلبس نفسَ لون معطفي، تبتسم بنفس طريقتي في الابتسام، بيدها اليمنى تمسك طفلَها، بيدي اليمنى أمسك طفلتي، هذه المرأة كانت لي ذات سماء قديمة، وكنتُ لها، لم تعد الآن لي، لم أعد لها، كان اسمها سماء، كان اسمي زياد. اشترينا غرضينا، خرجنا معا، دون الطفل والطفلة، اللذين بقيا يلهوان عند رفوف الألعاب، سمعنا أنفسنا في نفس اللحظة ننادي على طفلينا بأسمائهما: (يلا يا سماء)، ناديتُ طفلتي، (يلا يا زياد)، نادت هي طفلها، وانشقت فوقنا سماوات الذكريات.
(4)
أنا كل شيء هذا الصباح، أنا ساحة كنيسة في إيطاليا وقبة مسجد في السودان، وسقف كنيس في اليمن، أنا كينونة الأفعى التي لا نفهمها وغضب الفراشة الذي لا نسمعه. أنا كل شيء هذا الصباح، أنا عماء عقل النار وطيبة قلب قاتل، نعومة ملمس وردة، وخشونة ملمس شوكة، أنا كل شيء هذا الصباح: أنا شهوة المراهق وتنسّك الراهب، صخب حانة وصمت معبد بوذي، أنا حيرة عاهرة وإيمان قديسة، أنا كل شيء هذا الصباح، موت شخص وميلاد آخر، تشرّد شاعر واستقرار موظف، أنا مريول تلميذة سعيدة وعطر مسنة وحيدة. أنا كل شيء هذا الصباح كل شيء، كل شيء.

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )