ليس من أجل العرب - بقلم عاصم عبد الخالق

ليس من أجل العرب - بقلم عاصم عبد الخالق

تعبيرية

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

كثيرون في أمريكا من منتقدي قرار الاعتراف بشرعية المستوطنات «الإسرائيلية»، لم يرفضوا هذا التطور انطلاقاً من دعمهم للحق العربي، ولكن لحسابات سياسية واقعية يرون على ضوء نتائجها أن بلادهم لن تجني أي مكاسب من هذا الموقف بل سيضر بمصالحها على المدى البعيد.

تداعيات القرار الأمريكي على العلاقات مع الدول العربية، ليست هي القضية التي توقف عندها الكثير من الكتاب والصحفيين الأمريكيين الذين رفضوا القرار. لا تشغلهم هذه المسألة ولا يعنيهم الظلم الواقع على الفلسطينيين، ما يثير غضبهم في الواقع هو التحولات المفاجئة التي يدخلها الرئيس دونالد ترامب على مسار السياسة الخارجية دون دراسة كافية ودون استيعاب للنتائج المترتبة عليها.

أربك ترامب مؤسسة الدبلوماسية الأمريكية منذ انتخابه، وانتهك ثوابت ظلت لسنوات طويلة من دعائم السياسة الخارجية، وأثار توتراً وأزمات بلا داع مع الحلفاء والخصوم على السواء. موقفه من القضية الفلسطينية على سبيل المثال يجسد هذا التوجه. فعندما خالف مواقف كل الرؤساء الأمريكيين السابقين واعترف بالقدس عاصمة ل«إسرائيل» ونقل سفارة بلاده إليها، تصور المتحمسون له أن دول العالم ستسارع باقتفاء أثره، إلا أن ذلك لم يحدث ولم تتبعه سوى دويلات صغيرة بلا قيمة، بينما رفضت الدول الحليفة القرار.

وفي موقفه الأخير بالامتناع عن اعتبار المستوطنات غير قانونية، خلافاً لسياسة أمريكية ثابتة طوال العقود الأربعة الأخيرة، بقي وحيداً في مواجهة الحلفاء الأوروبيين وروسيا والصين الذين أعادوا التأكيد على عدم شرعية الاستيطان.

القضية من وجهة نظر معارضي ترامب تتجاوز المستوطنات، بل الصراع العربي «الإسرائيلي» برمته لتمتد إلى التوجهات العامة للسياسة الخارجية وكيف تدار، وميراث المشاكل والأزمات الذي سيتركه ترامب لمن يأتي بعده، وتأثير ذلك كله على مستقبل الزعامة الأمريكية في العالم. أحد الكتاب البارزين وهو المحلل السياسي مايكل موران، اعتبر أن الاعتراف بشرعية المستوطنات هو المسمار الأخير في نعش تلك الزعامة، ومؤشر على بداية الانهيار النهائي لعصر الهيمنة والنفوذ الأمريكي الطاغي في العالم.

قبل أن نوضح لماذا وصل إلى هذا الاستنتاج الخطير، نشير أولا إلى نقطة مهمة وهي أن منح الشرعية للاستيطان أي ضم «إسرائيل» بالقوة للأرض العربية، يقوض الأسس السياسية والقانونية التي تستند إليها واشنطن لرفض حالات مماثلة مثل ضم روسيا لشبه جزيرة القرم من أوكرانيا أو ابتلاع الصين لإقليم التبت. بل إن الموقف الأمريكي الجديد يعطي مسوغاً لأي دولة لتبرير الاستيلاء على أراضي دولة أخرى تحت ادعاءات بوجود حقوق تاريخية أو عرقية أو دينية لها في هذه الأرض.

بالطبع لا يدرك ترامب هذا البعد. وبسبب ثقافته المحدودة وخبرته السياسية الضحلة لا يدرك أيضاً أنه يرسي سابقة أخرى خطيرة هي ترسيخ مبدأ الانسحاب من الأزمات الدولية المعقدة. وهو يفعل ذلك منذ انتخابه متصوراً أنه يخفف العبء عن بلاده في حين أنه يضر بمصالحها على المدى البعيد.

ولهذا السبب يعتبر موران أن الاعتراف بشرعية الاستيطان والذي يعني عملياً انسحاب واشنطن من دور الوسيط النزيه، هو البداية الحقيقية لمرحلة انهيار النفوذ الأمريكي في العالم.

مالا يستوعبه ترامب المفتقد للحس التاريخي، هو أنه ليس من مصلحة بلاده التخلي عن الدور الذي قامت به منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كضامن للاستقرار العالمي. كل الرؤساء الذين سبقوه كانوا على وعي بأهمية هذا الدور ليس لأسباب إنسانية نبيلة ولكن إدراكاً منهم بأن الاستقرار العالمي يضمن تحقيق مصالح قومية عليا بما فيها ازدهار الاقتصاد الأمريكي.

نقطة أخيرة أثارتها مجلة «فورين بوليسي» لم يهتم بها ترامب بالطبع وهي، أن الاستيطان يتناقض مع قرارات وميثاق الأمم المتحدة. اعتبرت المجلة أن موقف الرئيس، وهو في الأصل تاجر عقارات ثري، غير مفاجئ فقد ظل دائماً يرى أن هذه المنظمة ليست أكثر من ناطحة سحاب أنيقة لا تبعد كثيراً عن برجه الشهير في نيويورك، وسيكون من الأفضل لو وضعت هي أيضاً اسمه فوق سطحها.

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )