"إنني في الثانية والعشرون" بقلم الشابة منى جلال

"إنني في الثانية والعشرون" بقلم الشابة منى جلال

صورة تعبيرية

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

غزة - غزة بوست 

 

" إنني في الثانية و العشرون" بقلم الشابة منى جلال.

 

 كانت أُمي تُحضرُ لنا دائماً طعاماً شهياً، و تُلبسُنا ثِيابًا جديدة، نذهب إلى المدرسة بعد توديعها لنا بابتسامة جميلة مازلتُ أذكُرها، كُنتُ أتساءلُ كُل يوم لمَ يَبدو على وجه أُمي التعب مع كل هذا!...

و تساءلتُ أكثر عن الفاكهة المتسخة التي أحضَرها يوماً أبي وسَمعتهُ يتشاجر مع أُمي ...

ثم يأتي إلينا و يبتسم يقول :" كلوا ، كلوا " و يربت على رؤوسِنا لكن كانت والدتي تَنزعج منه، إنه رجلٌ عاطلٌ عن العمل و يجلس طيلة يومه على باب المنزل و يختفي مُتجولاً في الشارع، يأتي آخر الليل ينام حتى الصباح و صَوت شَخِيرِهِ يملئ المنزل .

أتذكر هذا اليوم جيداً كان عيد ميلادي الثاني عَشر، نِصف كعكة تُزينُها شمعة وردية و الكثير من المقبلات و "المارشميلو " على الطاولة، لم يكن أبي في المنزل كالعادة، لا نراه دائماً....

وأخوايّ التوأم قَاموا بأكل الكعكة و لم يتبقى منها سوى قطعة صغيرة قُمتُ بإخفائِها دون أن يعلم بها أحد ....

رائحة الحساء جميلة اليوم لم يتبقى منها سوى القَليل ، كُنتُ قد حَملتُها لإخفائِها أيضاً لكن إعترضت طريقي " عَتبة " أمام المطبخ أَسقَطتني أرضاً و انسَكب الحساءُ على ثيابي و هذا ما كشفني، في هذه اللحظة الكعكة المختبئة في جيبي و بداخل "السيلفان" سقطت و هَرستُها تحت يدي، أُمي أمسكتها سألتني عن سبب فعلتي و وبختني لإهمالي و جشعي، و ردد إخوتي " أخفاها ليأكُلها فيما بعد " الجميع أصبح مُتدايق بسبب قطعة صغيرة، حقاً يَصعبُ الشرح، ففي مُنتصف الليل تدق الساعة على الجدران هذه الساعة القديمة ذكرى من جدي يدق قلبي معها تُخبرُني أن أبي متواجدٌ بالبيت و كالعادة يبحث في الثلاجة عن شيءٍ يأكُله برغم من أن هُنالك بيض، لا أعلم من أين أتى لم يلمسه... ظَهرتُ لهُ في العَتمة قَدمتُ لهُ قطعة الكعك، حينما فتحها قَبلني و قام بأكلها على حالها سيئة المظهر طَعمُها لذيذ و تمنى لي عيد ميلادٍ سَعيد، لكن كُنت أتساءل مرة أُخرى لمَ يبكِ أبي و هو يأكُلها؟! ، تَخيلتُ أُمي امرأة مُتسلطة تقوم بتعذيب أبي المسكين الذي أُشاهده يخرج كل يوم من المنزل صباحاً قبل خُروجنا للمدرسة ثم تُلبسنا أُمي و تُخرجُنا كالعادة و تودعنا بقُبلاتها الدافئة كم أُحب أُمي.

 

اليوم أصبح عُمري إثنان و عشرون عامًا أُشاهد بالصباح أبي مُنحني الظهر، غاضبٌ دائماً، يَعرج وسط الشارع و أُمي عيناها هزيلتين قُبلاتُها دافئة مازالت دافئة برغم من التجاعيد على شَفتيها و يداها المتقشفتان و صوتُها الضعيف لكنها مازالت بارعة في الغناء...

من نافذة القاعة اليوم داخل الجامعة رأيتُ أبي مُتعرجاً يَمشي بسرعة ماراً في الشارع و لأن مُحاضر هذه المادة قاسي جداً لم أستطيع مناداتَه، إنني في سن الثانية و العشرون أرى منزلنا صَغيراً، جُدرانه مُمزقة تَسكنه العناكب في كُل زاوية لكن مازلتُ أشتَم رائحة الحساء اللذيذ ...فعند عودتي من الجامعة أجد أُمي بإبتسامتُها البراقة قد حضرت المائدة، خبأتُ اليوم صحناً كاملاً من الحساء الساخن في هذا الجو البارد، أنتظر أبي .

لم يأتي أبي ، لم تسأل عنه أُمي لكنها كانت مُستيقظة طوال الليل و الحساء أصبَح بارداً و هو ينتظر أبي أيضاً ، أين أنت يا أبي؟ ... أُريد أن أسمعَ صَوتك ، لكن في هذا الصباح البارد لم أسمع سوى خَبر مازال يُلاحقني ليل نهار حتى كَرهت الحساء و أعياد الميلاد .

مَر شهراً تقريباً لم يتبقى دموعاً في عيون أُمي و لم يبقى بي جسداً أو عقلاً، عدتُ اليوم و لم أجد أُمي في المنزل ، أتى إتصالٌ من امرأة غريبة تَصرخُ في وجهي لم أفهم شيء سوى : " تعال و خُذ أُمك " ذهبتُ حيث أرشدتني وجدتُ أُمي بين أكياس قمامة جالسة إقتربتُ منها رمقتني قائلة : " سوف أُحضر لكم ما يمكنكم به أن تعيشوا يا أبنائي " كلماتٌ مازالت عالقة في رأسي وما زالت تُلازمني، أصبح المارة يُحدقون بنا، عادة جميع الحُثالة أن يُحدقوا بهذه الطريقة لأجسادٍ ميتة مُلقاةٌ على الرصيف وسط الشارع، من بينهم ظَهرت المرأة التي حدثتني وضعت بجانب أُمي عُلبة من الطعام الكبيرة ....

إنني في الثانية و العشرون فَقدتُ أبي في حادث سير دهستهُ سيارة و هو قادمٌ من عمله أو بالأحرى من بيع العلك و الحلوى وسط الطريق بين العربات ...

و فقدتُ أُمي التي كانت تعمل و تُنظف في المنازل و تُحضرُ لنا أشهى أنواع الأطعمة و ما خَلفتهُ المطاعم على أبوابها.

و اليوم فقدت نفسي أصبحتُ مُهلوساً أتعاطى حبوباً بسبب ما أُصبتُ به من صدمة و حب ، هل الحُب مرضاً هل الحب لعنة ؟! كان أجمل حُبٍ بالنسبة لي " أبي ، أمي أُحبكما أينما كُنتُما " لكن يَصعُب علي أن أُحب نفسي سأتخلص منها بعد دقيقة لا أحد يعلم بذلك سِواي ، إنني أشتم رائحة حساء، إخوتي الصِغار جائعون، إنني أنتحر .

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )