الجزء الأول للسلسلة النصية "النّادل" بقلم هيا عبدالناصر أبو عودة

الجزء الأول للسلسلة النصية "النّادل" بقلم هيا عبدالناصر أبو عودة

صورة تعبيرية

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

الأدب - غزة بوست

الجزء الأول للسلسلة النصية "النّادل" بقلم الشابة الواعدة هيا عبدالناصر أبوعودة 

 

(1)

في المشفى، كان يحصي عدد المرات التي فيها ينير ويُطفئ النيون، كان رجلًا خمسينيًا أصلعًا، بجسد يبدو عليه النحول الشديد، سمعت من في المشفى يتداولون فيما بينهم ويهمسون مشيرون إلى الغرفة رقم "7" بأنها تحتوي مريضًا قد جُن، وأنه لا يردد سوى جملةً واحدة :

"الملل هو الجحـيم".

قيل أنه كان يزوره البعض في أول أيامه بالمشفى، ولكن بعد ذلك لم يعد أحدٌ يحضر لزيارته، وعندما بدأ بتفسير هذا على وجه العتب، ردد قائلًا: لا بأس: الملل قد أودى بهم إلى الجحيم، ويقهقه عاليًا جدًا.

يحضُر الممرض لإعطائه حقنة مُهدئ، فيضحكُ ثانيةً

ويسأله: ألم تضجرُ من فعل هذا بشكل يومي وبالميعاد المضبوط جدًا؟

فيبتسم الممرض ويخبره: انا أفعل واجبي وعملي فحسب.

فيخبره -بنبرة تشبه نبرة فيودور عندما تكون مليئًا بفقدان الأمل- : لن يدوم هذا، الملل سيودي بك إلى الجحيم، أنت بالذات، لأنك الوحيد الذي تشهد على حالتي المُزرية، نعم! أنا أعترف أنها كذلك، فليس بوسعي ان أغيّر الآن أي شئ، لأن الملل قد أودى بي إلى الجحيم، وأنا الآن أحترق فحسب.

على قبري، انثروا جمرًا ونارًا

أريدُ ان أشعر باللهيب الحر

يحرق ما تبقّى من الملل

أريدُ لدخانه أيضًا أن يعدم نور عينيّ

أن يعميهما عيناي عن الرّؤية

رؤيتكم!

هذا إذا وما فكّر أحدكم عن الخروج عن ملله

لرؤيتي!

أريد أن أنتصر أمامك لمرةٍ واحدة فقط!

 

كان الجو غائمًا، ثم أمطرت بعنفٍ بعد ذلك، أما هو، فلا يجب أن يتأخر عن دوامه، لأنه لديه إنذارٌ أخير بالفصل من العمل. يخرج من غرفته:

-صباح الخير

- لقد أصبحنا في الظهيرة الآن

-أعتذر، لقد خدعتني الشمس، إنها لم تشرق باكرًا فحسب.

ليس لديه وقتًا لينظف أسنانه، ولا التخلّص من رائحة النوم حتى. يرتدي جاكيته الجوخ وقفّازاته، ويتناول عن الشمّاعة وشاحًا من الصوف، كانت قد صنعته جدته بيديها، وأهدته إياه في عيد ميلاده الواحد والعشرين. ينزل إلى الشارع مسرعًا وهو نصف نائم، مشيرًا إلى سيارة أجرة مارة، ثم يبدأ القلق من يومٍ آخر يهدد حياته العملية، هذا إذا وما كانت تعتبر حياة -ضمنيًا بالنسبة له-.

بُرهة المكان بدت عليها العراقة والجدّية التامتّان!. قد صُمم حولها أربع شبابيكٍ معشّقة بالأرجواني، البنفسجي، والأصفر، كي تأسر قلوب الزبائن في حين زارتها الشمس وانسابت خلالها، أما الأعمدة فهي مستوحاةٌ من الطبيعة إلى حدٍ ما، تتسلق عليها شجرات التوت البرّي والعنّاب، وعند المدخل الرئيسي يوجد عمودين كبيرين، سُميت باللوتسية نسبة إلى زهرة اللوتس في تصميمها، وعلى الحوائط وُجدت لوحات قديمة، كانت تشير إلى المرأة المصرية القديمة، أما على الجهات الأخرى وجدت لوحةً كبيرة غايةً في البساطة، كانت ترمز إلى معالم ما وراء العالم اليوناني، وُجد أيضًا مناضد خشبية وزجاجية، احتوت بداخلها على تحف بوذية عتيقة صنعت من النحاس والحجر، وكان هناك مخطوطة قديمة غامضة، نُقش عليها بقواعد لغوية غير جيدة، كانت تشير إلى اللاهوت الأدبي ربما.

 

يدفع الباب بقوةٍ، فتهتز أجراس الهواء المعلقة لتعطي رنينًا في كل المكان، يمشي بخطىً مسرعة نحو المطبخ، ثم يتوقف عند الباب مُصدرًا تنهيدة مليئة برغبته في حرق المكان. يتناول زي العمل ويرتديه، ثم يلتقط المريول وهو يراوده شعورٌ متكرر بأنه أشبه بخادمة سيرلانكية.

يصيح من خلفه صوتًا رخيمًا موبّخًا إياه، إنه رئيسه في العمل:

-أيهم! ألن تكف عن فعل هذا بشكلٍ متكرر، لقد كان هذا إنذارك الأخير!

*أعتذر يا سيدي عن التأخير، أعدك بأن لا يتكرر هذا.

-وعودك باطلة يا رجل، لكن بالطبع لن يتكرر هذا هل أنت مجنون!

*ثم يهمس بينه وبينه، لا غنى لك عني، فأنا الغزالة الرشيقة بالنسبة لك.

-ماذا قلت؟!

*أكرر إعتذاري فحسب يا سيدي.

-إنصراف!

ثم تبدأ أجراس النداء على الطاولات تنطلق من كل صوبٍ وحدب، ليبدأ عمله كنادل. 

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )