قصة "خبز الفداء" للكاتبة الفلسطينية سميرة عزّام .

قصة "خبز الفداء"  للكاتبة الفلسطينية سميرة عزّام .

سميرة عزام

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

فلسطين - غزة بوست

تعد سميرة عزام كاتبة وصحفية فلسطينية ولدت في شهر أيلول سنة 1927 في مدينة عكا بفلسطين, وعاشت زمن الانتداب البريطاني والاحتلال الاسرائيلي , وهي أحد ابرز كتاب القصص القصيرة وهي صاحبة لقب "رائدة القصة القصيرة" في فلسطين .

قصة خبز الفداء : تعتبر قصة "خبز الفداء" لسميرة عزام نموذج للقصة القصيرة التي صورت الحالة الفلسطينية إثر النكبة الفلسطينية الأولى عام 1948، وقد جاءت القصة في مجموعتها الثالثة  "قصص أخرى" التي أصدرتها عام 1960م ، وتحاول القصة تجسيد الفعل الإنساني بحالتيه، حالة القوة المتمثلة في المقاومة والصمود والتحدي وحالة الضعف البشري والمنهك في حالة الحرب والقتال .

 

اليكم قصة "خبز الفداء" لـ سميرة عزام .

 

  • الجزء الأول :

ودَّ حين جاذبه أطراف الحديث عن تلك الأيام لو يدعه يَتَصَرَّفُ كطفل فيبكي...إنَّه يشعر بالدموع تنحبس و تُغْرِقُ عينيه، فيدير رأسه و يمسحها خِفْيةً بِطَرَفِ كُمِّه، و يروح يداري ألمه الخجول بأنْ يمدَّ رأسه من فوق المتاريس، ثم يلتفت لرفاقه فيجد في سكوتهم تَفَجُّعاً يدفع الدمع إلي عينيه ثانية. و يرى في كل شئ في هذا الليل الصامت الذي يُطِلُّ عليه غائم بعيد، ألماً يُجَسِّدُ انسحاقه...و كأنَّ كلَّ ما في الكون يدري بأنَّ له حكاية، و أنَّ أكثر ما يشتهيه في هذه اللحظة أن يمارس تَرَفَ الحزن بتلقائية. فهو الساعة أَضعفُ من أَنْ يصطنع أي جبروت، و أَكثرُ ما يريده هو أن ينتفض إخوانه من حوله قليلاً ليعود إنساناً يخلع قناع الصَّلابة و يبكي بلا خجل. ورفع كُمَّه يمسح عينيه، وأحس بخيوط القميص الصوفي تخدش عينيه...و تُذَكِّرُه بتعويذتها التي يَلْبَسُها و التي سَتَرُدُّ عنه –كما قالت- كل رصاصة غَدّارة.
أجل إنه يتذكر تلك الليلة...
ليلة كهذه هلالها صغير، وبردها يقرص الأجساد، و كان مُكَلَّفاً بحراسة مستشفى صغير أقامه جيش الإنقاذ في بيت من بيوت المدينة، مؤلَّف من أربع غرف حجرية و حديقة صغيرة. و كانت أَسِرَّةُ المستشفى الثمانية مشغولةً بثمانية جرحى حملهم إخوانهم بعد معركة انصَّبِ النارُ فيها من مستعمرة "نَهاريا"  اليهودية، على القرى العربية في قضاء عكا، و أحضروهم ليسعفوا بالمستشفى.ثم اختارته لجنة الانضباط ليقوم بحراسة المستشفي الواقع في طرف من أطراف المدينة تفرقت فيه البيوت و تباعدت.أجل باردة كانت الليلة، و لم تَحْمِهِ كُوفيَّته و لا مِعْطَفُه السَّميك من وخزات البرد اللاذع، فكان لا يفتأ يتمشى ليمنع الدم من أن يَتخثَر في شرايينه، ثم يعود إذا ما تعب لِيَتَّكئَ إلى جدار المستشفى قريباً من الباب، ويراقب من بعيد دور المدينة التي تنام نوماً تهدده أية غارة مفاجئة، ولا يدري كم كانت الساعة بالضبط، فقد خبت الأنوار إلا تلك التي تتوّج أعمدة الطرق العامة، و سكت الليل إلا من أصوات ابن آوى، هذه التي تبلغه من بعيد...
أجل، لا يدري كم كانت الساعة بالضبط، حين شعر بها إلى جانبه في ثياب التمريض البيضاء، تسأله إذا كان يريد فنجاناً من الشاي، إنه لم يُفكِّرْ في الشاي و لا في أي شئ آخر...ولكنه أحس بأنه يريد أي جسم حار يشده إلى أصابعه المقرورة. فَقَبِل شاكراً، و لما عادت تحمله إليه، جرعه في أربع رَشَفات حتى لا يدعها تنتظر طويلاً، ولما ردّه إليها فارغاً غمغم بكلمة شكر، و لكنه فكر بعد أن انسحبت بأنه كان من المناسب أن يلاطفها بسؤال، و أدار رأسه يبحث عن ظلها خلف النافذة، و لكنها لم تَلُحْ. و فكر في أَنْ يشكرها في الصباح...
و لكن من عساها تكون؟... إنَّ هناك ممرضتين، و هو لم يَرَ منها إلاّ بياض ثوبها.ولكنَّه في الليلة الثانية عزم أَنْ يكون أكثر طراوة لو حملت له الشاي...وانتظر طويلاً و لكنَّها لم تَحْضُرْ...وقال في نفسه: إنها مشغولة عن شايه بمن هم أحوج إلى عطفها...فلماذا لا يَطْرُقُ الباب و يطلب الشاي بنفسه؟و استحيا أن يفعل...وقد كره أن يكون متطفلاً على وجه ما...ها قد خَبَت الأنوار، و نامت المدينة، و حَمَّلته و إخوانه مسؤولية السهر. و في مثل هذا الوقت بالأمس شرب شايها...و رفع أصابعه التي أثلجتها ماسورة البندقية، و اشتهى شيئا حارا يبعث فيها الحرارة...و رفع يده إلى فمه لينفخ فيها. وإذ بشبحها الأبيض يَجْبَهُهُ بصوتها يقول: "لقد حَضَّرت لك شايك دون سؤال...لن ترفضه بالطبع..."
و رفع عينه و حدَّق في وجهها.. و مد يده المقرورة ليحمل الفنجان... ورأى من اللياقة أن يقول لها شيئا قبل أن يشرب...
- ألا تجدين المهمة شاقة عليكِ؟
و في حدِّة لم يتوقعها ردت عليه:
- هل تجدني أضعف من الواجب؟- أنا...لا أبداً...
ولم يَدْر ما يقول، فرفع الفنجان إلى شفتيه، و جرعه بسرعة سلقت حلقه، و أعاده إليها دون شكر. و لما ابتعدت قليلا...ناداها...لماذا لا يسألها عن اسمها؟...ماذا في الأمر؟
- يا آنسة...ووقفت...
وَتَقدَّمَ لها:
- آسف.. هل يمكن لي أن أعرف اسمك؟
و ضحكت قبل أن تقول:
- لم لا؟ ... نحن إخوة...اسمي سعاد.
- وأنا رامز.. و رفاقي يسمونني العريف... ألا نتصالح؟
و أعطته يدها ضاحكة ثم انسلت بخفة كما جاءت...
سعاد.. عجيب و هذه سعاد أيضاً.. يبدو أن له حظاً مع الاسم.. فقبل أيام قدمت اللجان النسائية في البلد هدية إلى الحرس القومي من القمصان الصوفية و البطانيات..قامت بحياكتها فتيات المدينة و كان في كل جيب بطاقة تحمل اسم الفتاة التي حاكتها و عبارة تشجيعية قصيرة...إنه لا يزال يحتفظ بالبطاقة...وَمَدّ أصابعه و تحسسها و أخرجها ثم أشعل عود ثقاب أضاءت معه الحروف"سعاد وهبي" و تحت الاسم كانت هذه العبارة: (أرجو أن تكون من نصيب بطل).وأكلت النار العود واختفت الكلمات، فأعاد البطاقة إلى جيبه. أتكون هي؟ لو كانت هي نفسها أفلا تكون مصادفة حلوة؟ و التفت إلى الباب. ولكنه كان مغلقاً...
و في الليلة الثالثة تعمد أن يبدأ نوبة الحراسة باكراً؛ ليجد مجالاً لدخول المستشفى و السؤال عن الجرحى...كان الباب مفتوحاً فدخل... ورآها تحمل صينية لأحد الجنود فحيّاها...و سألها إذا كان بوسعه أن يزورهم...فقالت:
- لم لا؟...أريدك أن ترى حسّان... لِيَقُصَّ عليك قصة المعركة، لقد سمعتها منه عشرين مرة، ولن يؤذيني أن أسمعها للمرة الحادية والعشرين.
وتبعها...
و أمام سرير حسان المضمد الرأس وقف كما وقفت هي، وضحكا و هما يستمعان إلى الجريح يقول:
- إن الأخت سعاد ممرضة صارمة، تريد له أن يتمدد كالجثة، وَتُحرَّمٌ عليه
التدخين بإخفائه سجائره...و أُتيح لرامز أن يلحظ و هي تضحك أن لها أسنانا شديدة البياض و أن لعينيها بريقا يعكس إرادة لا تُرد...و شجعه الجو أن يسال:
- وَ لكن ألا توافقني على أنها طيبة؟
- طيبة؟ أنها أطيبهن جميعا... أكثر طيبة من أمي العجوز.. ما تفتأ تدور بيننا تسقي هذا، و تطعم ذاك، و تلبي أجراسا تقرع في كل الغرف، فإذا وجدت لحظة للراحة جلست قريبا من الباب، و شغلت نفسها بالحياكة.
- حياكة؟
و تذَّكر القميص، و مد يده فَحَلَّ أزرار معطفه السميك و سترته. و كشف عن قميصه الذي يرتديه، و اقترب خطوة منها وقال:
- أتعرفين هذا القميص؟
- أوه.. أكان من حظك؟
- ألا استحقه؟؟ إنني احتفظ بالبطاقة... لأتذكر دائماً مسؤولية البطولة...
و استدعاها جرسٌ ملحاح، فتركته و حسّان يتحاوران...
و مضى أسبوعان. و تماثل الجرحى للشفاء فغادروا المستشفى إلا واحداً نُقِلَ إلى مستشفى آخر. و انتهت مهمته في الخفارة. وعاد إلى عمله في تدريب طوابير الفتيان على حمل السلاح. و كان يستقبل طابوراً ويودعُ غيره حتى إذا هبط الظلام حمل بندقيته و مضى إلى الخفارة الليلية، فلا يعود إلا و قد تلونت السماء بأضواء فجرية ليرتمي على سريره الحديدي في الغرفة الوحيدة التي يتألف منها بيته...وعندما يجد وقتاً ليفكر بها...


لقد انقضى أسبوع لم يرها خلاله فأين عساها تكون؟ لماذا يحس بأنه مدفوع إلى الاهتمام بها؟ مدفوع إلى محبة القميص الذي حاكته؟...ولقد اكتشف بالأمس شيئا، فحين قام يلبس في الصباح، حمل القميص في يده و راح يتأمله...ولقد عاش أياما بين يديها وهى تبنيه غرزة على غرزة دون أن تدري لمن يكون...لعلها رسمت في ذهنها صورة للرجل الذي سيرتديه، و هي بالتأكيد قد اختارته أن يكون طويلا عريض الكتفين.. رجلاً تُعَلِّقُ عليه أمل البطولة..والتفت إلى نفسه في المرآة المعلقة على الحائط..و تحسس ذراعيه المفتولتين.
وضحك على سخفه و هو يتأمل نفسه. ولكن أي ضير في أن يكون سخيفاً فيرفع مثلاً القميص، وَ يَشُمُّه طويلاً، ويقبِّله أيضًا؟...
و رآها في الطريق. لم تكن في ثياب الممرضات... فاعترض طريقها قائلاً:
- كِدْتُ لا أعرفكِ، فما كنت يوماً إلا بيضاء..
و أعطته يدها يصافحها و قالت:
- لقد غادرنا المستشفى. إنني لا أجد ما أفعله اليوم. وأنت ماذا تفعل؟
- طوابير تدريب في النهار، خفارة في الليل، ولا شاي
ورنَّتْ ضحكتها الفضية...و ضبطته يتطلع إليها فاحمَّرت...وهمَّت بأن تمضي، و بسرعة قبل أن يضعف أمام خجله، سألها شيئاً:
- رجو ألا تظنيني وقحاً...هل أستطيع أن ارك في مكان ما...؟
- بلدتنا أصغر من أن تتسع لنا...
- ولكننا إخوان سلاح...إنني أُدَرِّبُ طوابير من الجنسين على استعمال البندقية...تعالي إلى نادي الميناء سنتحدث قليلاً بعد أن افرغ من التدريب...
واتفق على حضورها في الثالثة، ثم انهمك في تدريب طابور ناعم، كيف يقف وقفة لا ترتعش تحت بندقية ثقيلة... ولمحا تَدْلِف... و تجاهلها حتى انتهى و صرف تلميذاته، و اتجه يحييها و يُقَدِّم لها كرسياً و يسحب لنفسه آخر...
- ألست متعباً؟
- و أَيُّنا لا يتعب؟..و لكن بعد أن عرفت ما يدور في مستعمرات الصهاينة من تأهب و تعبئة، تمنيت لو كان يومنا ستين ساعة... أن أمامنا عمليات رهيبة.
- أخائف أنت؟..
- مُتَحَسِّب...لسنا في موقف هَيِّن...يخيل إلىّ أن اليهود زرعوا مواسمهم أسلحة، و ملأوا بطون مستعمراتهم بها، لقد اكتشفنا أشياء كثيرة...
- هل ذهبت بنفسك؟
- كثيراً قبل أن يتوتر الموقف...أما الآن فلا أستطيع، إنني على لائحتهم السوداء...
و رآها تتأمله ثم انفجرت شفتاها، و تألقت في عيناها تلك النظرة الحازمة.
- أتدري لقد بت اصدق انك بطل؟...
- بطل... لا أظن...و لكن بطاقتك توحي إليّ بان أكون..
- أما تزال محتفظا بها؟؟...
- هي ذي.
و أعطاها لها، و لما مد يده ليسترجعها ضغط على يدها قليلاً ثم أرخاها، و تركها تداري خجلها متطلعاً إلى البحر الأزرق أمامه.
كان الوقت ربيعا، و ربيع فلسطين بحر ازرق تتهادى عليه أشرعة المراكب البيضاء نهاراً، و تُرصِّعُه فوانيس قوارب الصيد ليلاً، و بساتين برتقال يكثف عبقها الهواء...و في ربيعها ذلك عرف شيئين...الحب و الحرب... و كان الأول يعطى معنى للثاني، فالحرب ليست عدوا قتال لشهوة. إنما هي حق حياة للأرض التي يحب، و الفتاة التي يحب، إن فلسطين ليست بحرا و مراكب و صيادين، و ليست برتقالا يتعلَّق كالذهب و ليست زيتونا و زيتا يملا الخوابي... إنها عينا سعاد السوداوان أيضا. و في عيني سعاد رأي خير فلسطين كله. رأى ظل بيت سعيد له؛ و زوجة تنجب له أبطالاً صغاراً، و تجعل من حبها معنى لوجوده.
و مع كل إطلالة صباح...كان يستقبل خيالها...جنباً إلى جنب مع إنباء المعارك في صحف الصباح...معركة القسطل، هجوم قومه من مثلث الرعب على قرى الأعداء...غاراته و إخوانه على المصفحات اليهودية المتسللة على طريق حيفا-عكا نهاريا، بطولة قومه في سَلَمَة، في كل مكان.

 

  • الجزء الثاني :

ثم كانت كارثة حيفا..
لن ينسى ذلك المساء..
كان مشغولاً بصف التدريب...حين التفت إلى البحر فإذا بعشرات المراكب المُحَمَّلة بالناس...و تجمهر أهل مدينته و في منطقة الميناء يستطلعون...كانوا على علم بالمعارك التي تدور في حيفا. و كانوا يدرون أن سلطات الانتداب قد مَكَّنت الصهاينة من المراكز المُحَصَّنة سراً، في حين ادَّعتْ أنها لن تتخلى عن المدينة إلا بعد انتهاء فترة الانتداب بشهور، ولكن فجأة أعلنت عن اضطرارها الخلاء المدينة.
و انصبَّ الهول من الكرمل على العرب الذين يعيشون في السفوح، وَمَهَّدت السلطة لحالة ذعر بحرب إشاعات فتحت معها الميناء، وأطلقت سفنها تحمل كل راغب في رحيل، فتكدسوا فيها و النار تلفظ هولها عليهم من الجبل، ولفظتهم السفن على ساحل عكا...كتلاً بشرية...يَئِنُّ بعضها من الجروح، و بعضها من الجوع و بعضها من الفزع.
وامتلأت بيوت مدينته، مساجدها، أديرتها، ساحاتها بهم...
و تحملت مدينته الصغيرة عِبء تدبير طعام و مأوى لهذه الآلاف...
و في تلك الليلة رأى سعاد مع عشرات المتطوعات، يستقبلن الجرحى في الميناء، و يوزعنهم على المستشفيات و البيوت...و بدأت حرب الإشاعات تلعب لعبها في الأعصاب...
استيقظ في صباح اليوم التالي على قرع شديد على باب غرفته، وفتح الباب وَذُهِلَ إذ رآها...
كانت تبكي.
قالت له: أن أخاها قد دَبَّر شاحنة حشد فيها كل ما يمكن حمله، ثم وضع فيها زوجته و أطفاله و نفسه ليرحلوا للبنان...و أن عشرين أسرة من حَيّها قد فعلت مثله...
و قد فرض عليها أن تصحبهم فرفضت، و قاومت فضربها، فلم تجد أمامها إلاّ الفرار.
إنها آخر من يسافر...
و أذهلته المفاجأة...لم يدر ما يقول لها و ظل صامتاً، و لما قرعت صدره بقبضتها سأل:
- هل فعلتِ هذا بسببي؟
و انفجرت في وجهه:
- لا ليس بسببك...صحيح أنني احبك...و لكن لست كل شئ؟قالتها و انصرفت...و فتح الباب و خرج إلى المدينة...
عشرات السيارات كبيرة و صغيرة، محملة و فارغة، أطلقت دواليبها للريح...وَخَلّّته مذهولاً...لا يدري هل يبكي ؟ هل يصيح؟ هل يقذف هذه السيارات بحجارته؟...
و في أسبوع فرغت المدينة إلاّ من شاكي السلاح... و من بعض ممرضات موزعات على المستشفيات الصغيرة، و من النازحين إليها من حيفا أو القرى، و لم يجد وقتاً للقاءاته بسعاد...فأعداؤه في الشمال و في الجنوب يتربصون الفرص لِيُطْبِقوا على المدينة..كان في النهار يتسلل إلى القرى يجمع البنادق و الذخيرة، أما لياليه فللحراسة مع خمسة غيره يقبعون وراء المتاريس المقامة على ظهر مصنع تعطل فيه العمل، كان لابد للمدينة من الصمود حتى تبدأ معركة أخرى على مستوى جيوش بعد انتهاء فترة الانتداب...
هذه هي مهمته التي رسمتها اللجنة القومية للمدينة...و حين كان يجد وقتاً يسترخي فيه، كان يجد وقتاً ليفكر بسعاد و ليتساءل: كيف تراها تعيش؟ و تحت أي ظروف؟ و صعق مرة حين رآها أمامه...
كانت تلتف بمعطف و قد حملت صُرَّة كبيرة...
و حار كيف يتلقاها، هونت عليه الأمر حين فتحت الصُرَّة، و قالت موجهة حديثها لكل الرفاق:
- لقد خشيت اللجنة أن تفرغ مؤونتكم فتطوعت لحمل هذه الأشياء...و فتحت الصرة على خبز و بعض المعلبات و حلوى، و فتحت عينيها على نظرة استقطبت كل شوق العالم، أثارت انفعاله...
و لقد رأى من حقه وحده أن يمشي معها قليلاً و هي عائدة، و أن يمسك بأطراف أصابعها بيد مرتعشة، دون أن يجد ما يقول غير أن يتوسل إليها ألاّ تعاود مثل هذا الجنون، ثم ابتعدت ووقف يرقبها حتى ابتلعها احد المنعطفات.
و تكرّرت زيارتها...
لم تكن تلبث أكثر من دقائق، ولكنها كانت كافية لتشحن أحاسيسه و انفعالاته بشكل يتعبه و يسعده معاً...
إلى أن كان أول الأسبوع...
و اشتدت المعركة و جأرت النار طيلة ليلتين و نهار كامل و قسم من النهار الثاني...
كانت سيارات الأعداء المصفَّحة تتجه على الطريق العمومي إلى نهاريا، و كان عليهم أن يقطعوا عليها الطريق بالمدافع المبثوثة على الدور القريبة من الطريق...
و لم تهدأ المعركة إلاّ في الثالثة من عصر اليوم التالي، فانقضّوا على المتاريس، و استلقى بعضهم على الأرض، و نزل هو يغتسل من حنفية الحديقة تمهيداً لزيارة المدينة، يستفهم فيها عن خطة الحرس القومي في سحب السيارات المصابة إلى داخل المدينة...
وكان الصابون يغمر وجهه حين انبعث صوت رصاصة فثانية، فسارع يزيل الصابون عن عينيه حين ثقب أذنيه صوتها...
والتفت إلى باب الحديقة فرآها تمرق منه... و صُرَّتها بيدها، أما الأخرى فكانت على صدرها...لم يُصَدِّق أن بها شيئاً، و قد كانت واقفة على قدميها، و لكنها ما لبثت أن ارتمت عليه، و بدأ الدم يندلق على صدرها، فسد جرحها بيده، و نادى على رفاقه الذين سارعوا بإلقاء ستراتهم لتمتص دمها المسكوب.
و فتحت فمها لتقول شيئاً، ولكن الحشرجة خنقت كلماتها.
ثم انتهى كل شئ بشهقة‍ ! ....
حدث هذا بسرعة لم يصدقها...دقائق وضعت حداً لكل شئ، فكيف، لم يُجمِّد الزمن...كيف تركها تموت؟كيف لم ترتعش تلك الجفون و هي تشرب كلمات حبه الأولى؟
ماتت...كيف و رائحة شعرها في أنفه ما تزال...و حرارة يدها تأكل كفه، لم يكن في نظراتها موت، في عينيها اللتين تتحديان أي شئ...فيهما حب ووعد بالحياة...
و يفرك عينيه، يطرد الكابوس و يشدّ على الغليون الذي قدمه له إبراهيم فلا تنغرز إظفاره في راحته، وهو يقرأ عيون رفاقه...
اجل ماتت، و انتزعناها منك و دفنّاها على الرابية هناك، و زرعنا على قبرها علماً، و كرّسناها بطلة...
كانت تحبك فباتت رمزنا جميعاً...إبراهيم، ووديع، و صالح، و احمد، و عبد الله...
خطّ أصفر نحيل و بضع نجيمات...ولا شئ إلا العتمة و أصوات الوحوش من بعيد، و هم أمام المتاريس بلا نوم أو طعام أو شراب...
و انقضت الليلة هادئة إلا من مناوشات في الفجر، ثم سكت كل شئ، و استسلمت الرؤوس المتعبة إلى النوم يفسده الجوع و توقع الخطر...
و مع الفجر فر ك عبد الله عينيه و سأل و هو يتطلّع في الصناديق الخشبية المركونة جانباً:
- أما من شئ نأكله؟...وردّ وديع:
- أجل هناك جوعنا...
و سكت...
و هناك أرغفة سعاد...لماذا لا يقولونها؟ و كانت ممتزجة بدمها، فأي إدام تعس لخبزهم؟...
لقد بدأوا يجوعون بشكل لا يطاق، و باتوا عاجزين حتى عن الوقوف...
و كان رامز يشعر بأن الظروف تتكاثف لامتحانه بشكل مذل، و بأنه ما من واحد من رفاقه سيجرؤ على أن يفكر في الأرغفة إلا إذا عرضها هو...
و غطّى عينيه بيديه، أهناك تعاسة بعد تعاسة اضطراره إلى أن يطعم دمها رفاقه؟...
و تطلّع إلى إخوانه. كان عبد الله مستلقياً على بطانية، و كذلك صالح، وكان احمد جالساً على كيس من الرمل و هو يضغط بطنه بيديه...
أن واحدهم مستعد لأن يأكل جثة كلب، و لكنَّ يداً منهم لم تمتد إلى الأرغفة الممتزجة بالدم...لقد كان عليه أن تأتي البادرة منه...ماذا يقول لرفاقه...خذوا فقد وهبتنا سعاد الخبز والإدام...
و أطرق قليلاً، ثم تحامل على نفسه ووقف...إذا كان هو يستفظع الفكرة، فإن عليه أن يمضى إلى المدينة ليتدبَّر لهم ما يأكلونه...
و حاول أن يقف، و لكنه كان ظاهر الخَوَر... و أدرك رفاقه ماذا يبغى من وراء ذهابه للمدينة، أن أية رصاصة ستصطاده كعصفور صغير، فالمنطقة الخلاء بين مركزهم و العمران كبيرة و مكشوفة، و مرور سيارات مصفّحة تحمي نفسها بإطلاق الرصاص في كل الاتجاهات متوقع في أي لحظة، فأمسك صالح به من كتفه واضطره إلى الجلوس...
فجلس للتوثب في رأسه طيوف معركة بين جوعه و جوع رفاقه و بين الأرغفة الحمراء...
كانت ما تزال مكومة في الزاوية، مصرورة كما حملتها سعاد...إن التجربة شئ يجرح أعصابه، ولكن شراء حياة خمسة، يجب ألا يخضع لإحساسه الرهيف...
ولكن أي ثمنْ سيدفع؟ أين الأعصاب التي تتحمل أن ترى يداً تمتد لتمزق رغيفاً، و أسنانا تدور لتلوك خبزها مغموساً بدمها؟ و أغمض عينيه....لا.هذا لن يكون...ولو ماتوا جميعاً..إنهم لا يفضلونها بشئ...وماذا لو ماتوا؟ تموت و هي تحمل خبزهم، و يموتون لأنهم لن يَمسّوا خبزاتها، فلا يشتري موتها حياتهم.يرفضون خبزات الفداء...و قد امتدت إليهم ممتحنة إنسانيتهم..أو إنسانيته هو على الأقل...فما ذنب هؤلاء ليجوعوا...؟ليحسبوا ألاّ خبز هناك...إنهم على كل حال لا يتطلعون إليه. لقد عفّوا و أقنعوا أنفسهم بأن ينتظروا رزقاً غير هذا...أو يموتوا... و يموت معهم ثارها...
ثارها؟ صحيح كيف ينسى ذلك...؟كيف يختار أن يموت جوعاً ككلب و يميت معه خمسة؟ حقاً إن كثرة تعاملهم مع الموت قد سلبته تلك الصورة المستفظعة، و لكن مهما كان له الحق في اختيار الميتة التي يشاء، فلن يختار أن يموت جوعاً...سعاد نفسها ترفض ذلك لبطل...
و ارتعش بألم...
لقد اكتشف أنه في الليلة الأخيرة، قد فكر في جوعه أكثر مما فَكّر في سعاد. لقد عطلت غريزة الجوع كل أحاسيسه الأخرى. يا إلهي ما أفظع التجربة!
و نادى إخوانه ففتحوا عيوناً تكاد تكون من إعيائها لا تنفتح، سيدعوهم واحداً واحداً...
إبراهيم، و وديع، و صالح، و أحمد، و عبد الله، و سيلتفون حوله في حلقة...ثم ينهض و هو يحضر الأرغفة... وحين تمتد يده ليفك الصرة، سيحكي لهم قصة عتيقة تعرفها هذه الأرض...ويعيها ناسها...قصة افتداء الحياة بالجسد و الدم...ثم يحمل خبزاتها و بكل الجو الشعائري سيقول لهم: "كلوا، هذه هو جسدي...و هذا هو دمي فاشربوا..." و سيأكل هو الإكسير أيضا... و سيستقر شئ من سعاد في أحشائه...شئ منها... أجل كيف لم يفطن إلى ذلك قبلاً...شئ ما يفتأ يتململ و يضج و يطالب و يذكره أن عليه أن يفعل شيئاً لهذا الجسد الثاوي في طرف الحديقة...
و قام متحاملاً على نفسه إلى الزاوية تتبعه عشرة عيون، شعر بنظراتها توثق رجليه...فتناول الصرة بيد ترتجف...وفتحها و أدنى الأرغفة من شفتيه، ثم اقترب من رفاقه و قدمها راكعاً وقال: " إن سعاد لا ترضى لنا أن نموت جوعاً..."
و غامت الدنيا في عينيه، ووقع على الأرض فاقد الشعور.

المصدر : مجموعة "قصص أخرى" للكاتبة سميرة عزام .

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )