"في عقلي أبي" بقلم منى جلال

"في عقلي أبي" بقلم منى جلال

صوةر تعبيرية

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

غزة - غزة بوست  

"في عقلي أبي" بقلم منى جلال 

لم تكن السَماء جَميلة عندما التوَى كاحِلي و أنا أُحدق بها كنت سَارقاً مُحترفاً للأفكار، أجلس في إحدى زَوايا الفَراغ، أُفرِغ علبة سجائرٍ كاملة سراً، دون أن يَعلم بِذلك أحد و دون أن تُلاحظَ أُمي ذلك و إنْ فعلتْ سَتَشِي بي لأبي و سيستمر تَحدِيق أبي دون حِراكٍ نَحوي...

مُعلق وسْط صالون المنزل، الجميع يُلقي التَحية عليه و لا يَتحدث لأحدٍ سواي بذلك أقوم بإفراغها كاملاً و أثناء عودَتي للجَحِيم أُصادِفُ بائعَ البَسْكَويت الحَافِي القدمين ، منذ كنت صَغيراً و أنا أراه يجلس بمَقرِبة من عربات الباعة المُتجولين و على درج المسجد الصغير والمُحاذي لصندوق الأحذية ...



لم نتعارف يوماً سوى بِكيس البسكويت أربع أو خمس بسكويتات بنصف شيكل، نَفرَح كثيراً عندما يكون بطعم الليمون أو الفراولة أجلس أنا و أولاد حارتنا نُفرِغ طبقاته الواحد تلو الآخر ، ضربه مَرةً إبن جارنا بحجرٍ ضخم في عينه، كانت الدماء تَسيل بِغزارة يُفرغ أكياس البسكَويت يُضَّمد بها جُرحه كُنت ألاحظ  المارة يُحدقون به و لا أحد يُحرك ساكناً ، يحدق بي بنصف عين كأنه يطلب مني المساعدة أو شيئاً ما لم افهمه أبداً ، جميع من في جانبي هربوا أطلقوا عليه أبو عين عورة اللعنة كم كنتم سُعداء و أنتم تَشترون هذه الأشياء اللذيذة منه ماذا حدث الآن ؟ لما تركتموه وحيداً أعتَقد أن هذه عادة الجميع أن يتركوننا في منتصف الطريق بعدما يأخذون ما يريدونه .

كنت أسأل أمي متى يَعود بائِع البسكَويت لمنزله! تقول عندما يَنضُج الحساء ، بعد تلك الحادثة لم يشترِ منه أحدٌ سِواي أنا و صديقي الميت كنت أُخبره أنني سآخذ بسكوتاً لي و لصديقي ، كنت كاذباً مُحتَرفاً و لعين ، أتركه تحت الشمس يَتصبب عرقاً يدعو الله أن تُمطِر فيسمع الله لدعائه و تنهمر السماء أنا حقاً كنت أُراقبه و أتتَبع خُطواتِه...
اليوم يَضيق صَدري لرؤيته ، تقوم أُمي بتقديم لي شريط دواء ليس له إسم ، يتحول لكُرات مُشتَعلة بداخل عَقلي أرى أضواء لا يراها أحد ...

حتى أنني حَاولت اليوم أن أقرأ كِتاب وجدتُ نَفسي أُحدق في الأشياء خلف النافذة ، ضَربت برأسي لم يستَطع أحد أن يوقفني سوى الدماء ، تذكرت بائع البسكويت إنها تُشبه دماؤه لكن يدي من أوقفت نَزيفُها أصبحت أصرخ و أطلب من الجَميع أن يناولني ضمادة و بعض من المسكنات ، يكتفون بالمشاهدة و أحدهم يقول ما من جُرحٍ في رأسك لكن أنا حقاً داخلي ينزف ولا يفهم لحديثي أحد ، أُُصاب بإرتباكٍ كلما خرجتُ من المنزل ، يناولني صديقي الميت لُفافات التبغ يأتي أبي في عقلي أرى في آخر الشَارع بائع البسكويت يُصدَم في عربة و آراه في اليوم الآخر يُنادي بصَوته الضَعيف ليشتريَ الجميع منه ، تَخطُر في بالي أن أُحضر له حِذاءً فقد تَمزقت أصابعه و أصبح رأسه أصلع ...

يقرأ أبي لي الكتاب أتحدث إليه لا يُحرك شفاه ، يحاول الجميع تَقليدي يفشلون بذلك ، أُحدّث صديق بائع البسكويت عن الحذاء الجديد الذي في جُعبتي، يُتمتم الناس كثيراً أنني في الثانية و العشرون ، اليوم أفرغت عُلبتين سجائر و سقطت دون أن ألوي كاحِلي ، صديق البائع يُخبرني أنه ما من أحدٍ بِجوار درج المسجد ، أسير وسط الشارع أغفل عن التحديق و الهذيان و صوت إبن جارنا يقول مردداً الجملة التي اعتاد على قولها منذ الصغر ، يا إبن بائع البسكويت متى ستزور قبر وآلدك، ولكن مازال أبي معلقاً على الحائط .

قُمت بالإنتحار اليوم ، استنزفت خَمس عُلب سَجائر ... لم أرى بائع البسكويت في الجوار أخبروني أنه مات مُنذ خمسة عشرة سنة ... لا بأس سأكون بخير .
 

 

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )