"وهم" لـلأديبة منى جلال

"وهم" لـلأديبة منى جلال

لوحة فنية - تعبيرية

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

غزة- غزة بوست 

أُحدق كَعادتي من النافِذه الضخمة و المُطلة على السماء البارده و ما يُجذِبُني هي تلك النجوم و القمر المُشع وسط السواد ، لكِنني في هذه اللحظه لم أكُن أُحدق لا في النجوم و لا في القمر و لا حتى في السماء. 

كعَادتي العَبثية كُنتُ أُرَاقب ضوء خَافت صَغير يَمشي بإنتظامٍ شديد و لا يترَنح في مشيته، و في كل مرة يحدث هذا أُنادي عليه ليأخُذ أُمنيه من أمانيَ البَائسة عَلها في يومٍ ما تَحدثُ المُعجزة ، و أسير نَحو الضوء أخطف الأُمنيات و أعبثُ بها و أُرسِلُها لحيث تريد .

لكن في الأمر ما يُثير إرتباكِ لما في كل مرة ذلك الكَائن يَذهب و لا يعود ، و يذهب واحد آخر وفي كل يوم أراهم بخطواتٍ مُختلفة ،و لحن مختلف...



إن حدثتُ الجَميع عنهم هل سَيختفون يا تُرى؟! و لن يتبقى أحدٌ منهم ، سيقول الجَميع عني مجنون كما في كل مرة عندما يأتي صوت أليفريدو فأقول لهم أنني خاطبتُ صديقي الوحِيد و كان صوته يُشبه عَزف الكمان ،أُحدِثهُ فكأنما أُحدث نَفسي أتحول لغريب الكل يّحدقُ به و يعتقد الجميع بأنه مجنون ؛ لَكِنني لستُ هكذا فأنا في دَاخل هذه الَتفاعُلات النفسيه و بإمتزاج عَقلي البَاطن أرى هذه الأضواء التي لا يَراها غيري و أسمع صوت أليفريدو و أحدق باليل وحدي...
أترُك في كل مرة تآكُل جَسدي من الذِكرَيات و لا يُسمع صَوتي هادئ لا أُصدر أي ضَجه ، لكن ماذا عن الإشارات التي ترسل من قبل عَقلي فَتشن خلاياي حرباً طاحنه بِداخلي!...
لا تَفسير لهكذا كلام، لستُ بِمريض ولا يوجد على جَسدي أي أعرَاض المَرَض و لستُ كَئيب أيضاً ...
فالطَالما رأيتُ وجه دوستويفسكي و أنا فارغٌ تماماً من أي شَيء، أستَدعي هكذا أفكاري كالمجنون، و أُشاهد الكائِن الذي يَسِيرُ ليلاً نحو السماء.

الإنسان شيطاناً يا عَزيزي و متى إستُدعِىَ الأمر لِظُهوره يَظهر دون سَابق إنذار، إذا بِداخلنا حقاً تَخلُد الشياطِين ، لماذا إذن مازلنا ليومنا هذا نُخبر أنفسنا بأننا إنسان؟! ، هل حقاً ستكون ملزماً كل يوم بِخداع نَفسِك و التَفوه بهَكذا كلام يُفنى و لا يَعود؟!...

صوتٌ ما يَقولُ لي لا تَهذي كي لا يَظهر أليفريدة، لكن أنا حقاً لا أُجبره على الظهور و ليس لي أحد غَيره أُحدثه عن كل أسباب وجوده و أسبَاب إضطِراب ذكرياتي...


 و بينما و أنا على هذه الحَال مُحدقاً في السماء تَلفتُ نَظري الشَجرة التي  في الحَديقة ، لم أكن أُحب مشاهدتُها و لِكنني كُنت أُحب مُشاهدت هذا الموت عَليها فَتجُرُني قَدماي أسفَل غُرفتي و تَبدأ السماء بالإنهمار ... تُخبِرُني أُمي بألا أَخرُج وهي تُمطر أَفعلُ عكس كلامها ، أَسيرُ تَحت المطر و أُمسِك بسيجَارتي أُحاول إشعالُها لِمُحاربة المَطر لكن لم يكن المطر ما يُمكن مُحارَبته ، بل كان ذاك الشُعور السَمج شعور الملل الذي يَنحت بك وتَشَكُل الكلمة هكذا أَمامك ، وذاك المخلوق بتلك الزَاوية مازال يُحدق بي أُشيح بِنَظري عنه و تَتلاقى عيناي بعينيه حينما مَررتهما " أوه تباً " إنني لا أَشعُر بشيء سَقطتُ فجأة و أنا كُلي إعيَاء أقولُ لِروحي إبقي قَليلاً...

و ذاك الضوء يَنحتُ بِجَسدي و يَقترّب إللي رِويداً رِويداً ،سَيأخُذ بِروحي بلا رَيب و سَيدفِنهُ بإحدى أطراف هَذه السماء الرائعة و الليلية...

ليأتي صَوت رجلٍ عَجوز تَصدُر منه رائحة التُراب و المَوت ، يقول لي:لما يا بُني تَنام هنا في العراء هل مَرضت،هل تَحتاج للمُساعدة؟!

و لم يُخبرُني أحد اللعِينين بأن بالجِوار رجلٍ عِجوز يَسير ليلاً و بيده مِصباح يا آخر أملاً خُذني الآن قبل أن تُثير الصَدمة بأنحاء جَسَدي.

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )