"فساتين" بقلم هيا عبدالناصر أبو عودة

"فساتين" بقلم هيا عبدالناصر أبو عودة
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

 

الأدب - غزة بوست 

بقلم / هيا عبد الناصر أبو عودة 

 

تتوسط الغرفة لوحةً خشبية، يحيطها إطار بلون قرمزي، قام أحدهم بتطريز التالي عليه: كنت أنير له طريقه، و كان يقطُن في عينيّ. هكذا يضيئنا الآخرون من حزنهم.

ذات ليلٍ طويل، أردتُ أن أبكي، أردت هذا حيث لا مفر من فعلِه، البتّة.

ليلُك قبسًا من نور، لا ترتاب العصافير وتفزعُ من غيمةٍ شاردة، ولا يؤجل الصبّاح حضوره. ظِل البناية هادئًا لحين إنتصاف الليل، و عند مفترق الطريق، يبقى الخبزُ طازجًا في مخبزه هناك، وآخر أغنيةٍ بيننا تبيت في رأسي بشكل حالم، و خفيفة الظل على القلب.

تتكئ على كتفي، كما لو أن جمرةً رمت بنفسها في الماء، فتخبرني أنه عالم مُلتهب بالألم على أيّ حال، أنه يا للكارثة كيف أصبح هذا أمرًا إعتياديًا، أنظارنا متّجهة صوب ما لا يجب، صوب النهاية، في أي جزءٍ فيها نمكث نحن، الآدميين المُجهدين والذين طاف بهم كيل العالم.

ذات ليلٍ طويل، أردتُ أن أبكي، أردت هذا حيث لا مفر من فعلِه، لكنني لم أفعل!

لقد أخاطوا فَم البلاد بأسلاك حديدية، لأنه لم تتسنّى لهم الفرصة لعطب القلب أكثر. بلوانا لنا، حظوظنا القليلة لنا، والصبر الكثيرُ جدًا لنا، ثمّ أن حيلتنا تجاه كل شئ، هي حيلةً واحدة، لنا أيضًا.

لا يبدو بيت صغير بأثينا هذه المرة فكرةً سيئة حقًا، إن إمعان النظر في هذا، سيبدو مُنجاةً تخطّت كل حدود الإنتظار في العثور على مفر.

صباح أمس، فتّحت نصف عيناي، فإذا بي أتلقّى رسالةً من صديقتي التي طال غيابها حقًا، يمكنني أن أُعرّفها بأكثر شخص سار مع جنونه بتوانٍ وطاعة، بعدما قام بتقديسه ، وقد ربِح بالفعل، على إعتبار أن هذا من النّادر حدوثه.

"صباح الخير، حلمت فيكِ، كان حُلمًا لطيفًا، وفيه مغامرات وبحر"

نفضت نفسي جيدًا، و هممت بالرد عليها، فسألتها عن حالها وعن آخر مغامراتها، فأجابتني بسخرية ، أنها حقًا أصبحت إبن بطوطة؟

أخبرتني أننا في رأسها-الحلم-، كنّا حُفاة، ونتمشّى على شاطئ البحر،. قد كان هنالك محلًا لبيع الفساتين، الكثير من الفسانين التي قد أحب أن أراها و أجرّبها جميعًا، كان المكان مُدهشًا و كثيرُ اللمعان حسبما أخبرتني، مُتّخذًا شكل شبكة في تصميمه و شكل خيوطه التي تلمع كان مُبهرًا، عند سماعي هذا الجزء من القصّة، شعرت بأنني عُدت طفلةً صغيرة، تخيلت الحلم داخل مكعّبٍ صغير أخذت أتأمله بعناية بعيناي المدوّرتين. كنّا ذاهبين لشراء بعض الفسانين، وقد بدا علينا الهروب من مكانٍ ما، حتى أنه كان لنا ذات المُربية، أو هذا الشخص الذي يعتني بنا كأُم، لقد بدونا كأختين في حلم واحد. بعد ذلك قمنا بدخول محلٍ آخر، فإذ به محل سحري، والخيّاط في الداخل عبارة عن ساحر، يقوم بإلقاء التعاويذ السحرية على الفتيات الصغيرات ويحولهم إلى فراشات ملوّنة في الفساتين، فقام بتحويلي إلى فراشة في فستان وتمكّنت هي من الهروب.

سألتها إذا ما كانت قد حررتني أم أنها إستمرّت بالهرب، أخبرتني أنها أتت بتلك المربّية طلبًا للنجدة، لأنها تعرف الساحر حقّ المعرفة، وبعد لحظات، أزال الساحر هذه الأربطة السحرية، و قاموا بالبحث عني، إلى أن وجدوني، وقد تحولت من فراشةٍ في فستان إلى بشرية مجددًا.

ذهبنا بعدها إلى البحر مرةً أخرى، وكان الليل، حيثُ شاهدنا ألعابًا نارية فبدا الليلُ أكثرُ مُتعة.

في الحقيقة، لا أعلم إذا ما كنتِ تتحدثين في ذلك الحلم بذات اللهجة التي عهدتك بها، أم أنها كانت أكثر حيوية و حماسة.

 

لا شئ يُحسّن مراسي، إن هذا الشعور عاطلٌ، عاطلٌ عن الخلود في مكانه، يتحرّك يمنةً، يتحرك يُسرة لكنه لا يهدأ، يقفز لأعلى و كطفل يصعد شجرة الحديقة لأول مرّة ثم يطلب النزول ، ليعاود الكرّة بشغفٍ أعلى، لكنه لا ينطق بإسمه، آخذه لمدينة الملاهي، أجعله يشعر بدوارٍ مهول، كي ينطق بإسمه، لكنّه لا يفعل، لقد فاقكَ عِندًا و يباسةً في الرأس، إنني اعلم هذا كما يعلمه الجميع على أي حال، و تعلم أنني أرفضه كما يعلمه الجميع أيضًا.

ينحني خيط الشمّس في قلبي، مُدليًا بوصول يومٍ آخر جديد، ليونبئني بصدق ما أقول دومًا:

إن اصطدامنا بالأوهام في البداية هو ما أفسح لنا المجال للإبحار نحو حُلمنا الاول، الوهم ليس أول الملذات، الوهم هو أولُ الحياةِ و آخرُ الجُرف الذي قد يودي بنا إلى الألم و مقاصِده، وأننا نعيشُ أسباب كل ما رغبناهُ مسبقًا.

لم تعُد تجدي الأشكال الهندسية التي أراها يوميًا، كي أشير إلى إحداها وأجعل سبابتي تدور حولها وأقول: نحن هنا، هنا بالضبط!، فأطمئنُ أننا لا زلنا محاصرين و لم نضع بعد، إما حصار أو ضياع، لا بين بين، لا حرية، لا نفس، لا أُفق، لا جدال حول الأمر.

لم نَعد نضحكُ على قلوبنا بصوتٍ عالٍ مشيرين بهذا إلى أن كل وسائل الإحتمال قد نفذت، وعلينا التفكير بوسيلة مُحكمة الذكاء كي ننفذ بريشنا أولًا، وقبل كل شئ.

لم أخبركِ أنه كان علي أن أبقى فراشةً في الفستان، أخبرتِني أن الفستان ملوّن، كان عليّ أن أراقِب قبحَ العالم من هناك، حينما يقوم أحدهم بتعليقه على شمّاعة أو على طرف الشبّاك، أو في دولابٍ تفوح منه رائحة الفانيليا، أو تقوم بإرتدائه عاشقة ما على العشاء في ليلةٍ مقمرة. أخبرتِني أنكِ تحبين الفساتين وتحبين شرائها لكنها تضايقك أحيانًا، فتحتفظين بها في الخزانة، بوسعنا أن نذهب سويةً لذات الحُلم وتحتفظي بي في جزء من خزانتك.

يا حبّة عيني، أشداقنا تعبت من الكلام والملام، كنا نريد من فناجين قهوتنا ألا تجف، أن تنتظر عرّافة ما لقراءة البخت، ونحن الذين لم نقصد البحث عن إجابة،

هائمان بضياعٍ واحد!

صباحٌ آخر:

في الركن الأخضر من قصائد بابلو نيرودا،

تتفتّح الذاكرة و تصحو على مهلها..

الأيام التي تبقى مكانها، دون حاجتها للحُب الكبير

لذا إنها لُعبة، تكرر نفسها على هيئاتٍ أخرى فيما بعد

إنها خُدعة، لا تعود إذا ما قمنا بمناداتها، لا تعود،

تستمر في الرحيل، إلى الوراء أكثر.

النار التي تشبّ في جنائن القرنفل في الليل

فتصيّره شعاعًا..

العسل و القمر وريحان الحديقة

فتيل الشّاي لا يزال يصبغُ الماء..

الأمل الحيّ في بعيده، بلا لمسه، بلا رؤيته،

بلا شمّه، بلا ضمّه..

ليتبعهُ بعد ذلك صباحٌ آخر ونهارات طويلة

عطِشة، لنا.

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )