غسان كنفاني الانسان بقلم الكاتب نزار زقوت

غسان كنفاني الانسان بقلم الكاتب نزار زقوت

ابراهيم مطر

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

غزة- خاص غزة بوست 

لم نجد في خضم خلافاتنا الصغيرة والكبيرة أو تلك الخلافات التي بلا فائدة، وفي ذكرى استشهاد غسان كنفاني السابعة و الأربعين، سوى أننا بحاجة ماسة لشيء واحد ندعو إليه وندَّعيه ألا وهو الإنسانية،والتي نفتقدها كما نفتقد فلسطين،وربما نفتقد أيضاً سادتها الأدباء والكثير من أناسها الطيبين.نشعر أننا قد نسينا منذ زمن بعيد أن وظيفة القلب ليست كونه مضخة للدم فقط، بل بأنه خبز المشاعر، القلبُ قِبلتُكَ بألا تؤذي أحدًا، ووجهتك كإنسان،وإجابةٌ عن سؤال كيف تعيش؟

 الاسم غسان كنفاني، مكان الميلاد: عكا- فلسطين، الزمان: ما قبل النكبة، الوفاة: شهيداً وشاهداً على محتلٍ يحارب القلم قبلَ الحجر والفكرةَ قبلَ البندقية.

كان شاهداً ومحوراً لعظمة الثورة الفلسطينية التي كانت كما قال الراحل ياسر عرفات:" الثورة ليست قاطعة طريق، بل هي قلمُ كاتب، وريشة فنان، ومبضع جراح".
 وقال الشاعر الفلسطيني محمود درويش واصفاً غسان كنفاني، "لو وضعوا غسان في الجنة أو جهنم، سوف يشغل سكانهما بقضية فلسطين"

منذ ما يقارب نصف القرن، اغتيلت الفكرة، والند الأول لإسرائيل. اغتيل القلم الذي كان جسراً لربط فلسطين بالعالم كله، ولأنه من رحم المآسي يولَّدُ وحي الكتابة، كان هناك كتّاب، وكنّا محظوظين بغسان.

غسان شاهِدٌ على نكبة فلسطين، التي اضطر على إثرها الهروب سيراً إلى مخيمات اللجوء في لبنان، ثم إلى العاصمة السورية دمشق. يتقن اللغة الإنجليزية بعد دراستها في مدينة يافا، يؤمن بصراع الأجيال فلم ينزل عند رغبة أبيه بأن يصبح تاجراً، فاتجه إلى عالم الأدب، حيث يعيش فيه إلى يومنا هذا، وخلد اسمه.

اضطر للعمل في وظائف عدة، عمل موزعاً للصحف، عاملاً في مطعم، مدرساً في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، ثم سافر إلى الكويت وأخيراً في بيروت حيث كان يعمل بصحيفة الحرية التابعة لحركة القوميين العرب.

اهتم بالأدب مبكراً، وكتب القصة القصيرة في عمر ـ19 عاماً،ثم سرعان ما بدأ أن يلمع اسمه في عالم الأدب.
 ألَّف ثمانية عشر كتاباً منها الرواية والعمل المسرحي،حصد جوائز أدبية عديدةـ، ونال شرف عدم الحصول على جائزة نوبل للسلام، فهذه كانت يجب أن تتوافق مع هوى البيت الأبيض والكنيست الإسرائيلي، ثم أنه كيف ممكن أن يحصل غسان على جائزة حققها قبله "مناحيم بيغن" قائد عصابات الأراغوان الذي ارتكب مجازر كثيرة؟نكاد أن أجزم أنهم لو اتصلوا بغسان كنفاني ليحصل على الجائزة، لقال:" شكراً لكم ولجائزة نوبل، أنا لستُ بحاجتها".

كان الفلسطينيون محظوظين بأن غسان كنفاني تولى مهمة نقل معاناتهم إلى العالم، حيث ربط فلسطينيّ الداخل بالشتات، وربطهم بالعالم العربي والعالم ككل. فليس أفضل من أن يتولى لسان حالك الإنسان غسان، ولأنه كان يكتب وجعنا كما الحقيقة، وصل صدى كتاباته إلى كل بقاع الأرض حيث ترجمت أعماله إلى عدة لغات، فما أحوجنا اليوم لغسان!

يستحضرني مباشرة عند ذكر اسم غسان، سؤال هل تكون عظمة الحياة لمن عاش قليلاً وليس طويلاً؟ عاش ستة وثلاثون عاماً فقط، كانت بمثابة لحن خلود أزليّ، وأقصوصة نجاح عاشت سبعة وأربعين عاماً وستعيش، من غسان الإنسان تعلمنا أن المدافع عن قضية ليس من يحمل السلاح ويقتل مطلقاً،وتعلمنا أن القضية التي تستعصي لا يمكن إجهاضها، بل إجهاض المدافعين عنها واستبدالهم بمدافعين أكفاء.

عندما نبحر في أفكار غسان وكتاباته،يمكننا القول بثقة أننا وجدنا في كتاباته معنى الإنسانية وعظمة الإحساس بالأشياء، أخذتني قصصه وسيرته التي عاشها وأدخلتني في أنبل الأفكار،فقد علمني ألا أحب أن أكون ضحية، أن أرفض أن نكون جلادين.
 نعم، هذا هو المعنى السامي للإنسانية والإحساس بالآخرين، شكراً غسان الإنسان، فقد علمتني كيف أكون نداً، كيف أتفق وكيف أختلف.كيف أحب، وكيف أجعل الفجور يضمحل في الخصوم لفرط إنسانيتك وقيمك، لقد ساعد إلهامي، ودلني على طريق الوحي في الكتابة والأدب، شكرا غسان الإنسان!

نقفز معه من زمن الحاضر الذي لا يتحملنا -كما لا نتحمله- إلى زمنٍ كانت فيه الإنسانية فعل الإنسان، وليست عناوين عريضةً نكتبها على أوراقنا دون أن نكون صادقين فيها مع أنفسنا، دون أن تكون المعضلة الكبرى، أن نُري الناس أننا أصحاب قيم نبيلة.

غسان الإنسان، كان يرسم ويكتب رسائل الحب والمقالات السياسية ويناضل في حركة القوميين العرب ويعشق ويتزوج، ولكنه كان مريضاً بالسكري،وكان يبحث عن فلسطين دوماً، يحلم بمدينة عكا، بأزقتها وشوارعها، يحلم بمقاهيها.

أن تكون إنساناً هذا يعني أن تشعر نفسك بأثر الكلمة التي تقولها للآخرين، أن تكون نبيلاً،أن تكون إنسانًا يعني ألّا يختلف أبداً مع أن تكون وطنياً مدافعاً عن قضيتك، بالكلمة فقط استطاع غسان جذب الشباب الفلسطيني،ودعاهم إلى الدفاع عن فلسطين.وكشعارٍ صغير نحب أن نقول: أن تكون الإنسان يكفيك أن تكون كما غسان.

 

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )