إنهاء الإنقسام أو الإندثار بقلم / عدلي صادق

إنهاء الإنقسام أو الإندثار بقلم / عدلي صادق

الكاتب عدلي صادق

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

غزة- غزة بوست 

يشجعنا الذي يجري في المشهد الفلسطيني، على القول دون أي تردد؛ إن كل حديث يُدلي به واحدٌ من طرفيْ الخصومة، ويكون الظاهر منه الدعوة الى استعادة الوحدة الوطنية، لكنه في حقيقته، أسلوباً معتمداً لإطالة أمد الإنقسام حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.  ويتساوى في ذلك، الحديث السلبي عن كون الاتصالات متوقفة، مع الحديث الإيجابي بأن هناك مبادرة للمصالحة. فالسياقان ظاهرهما الرغبة في التصالح، وفي المضمون تكمن محاولة تكريس الإنقسام من خلال التذكير بأسبابه وآلامه وخسائره.


إن بدأنا بمعسكر السلطة في رام الله، فإن الأمر لا زال يراوح في مربع الموقف الرافض للمصالحة والداعي اليها في الوقت نفسه. وهذا موقف قديم جديد، كنا نعلم حقيقته منذ بداية رحلة الأف ميل من الحوارات. كان الرئيس عباس يرسل وفده بعد أن يوصيه ألا يعود باتفاق، ثم أصبح يوصيه أن يتملص من آليات التنفيذ بكل الوسائل، إن اضطر للتوصل الى اتفاق. وقد اختار أشخاص وفده، على قاعدة إرسل حريصاً ولا توصه. أما الطرف الحمساوي، فقد رأى في الحوارات، وفي الجلسات التي يراد لها أن تنتهي باتفاق على آليات التطبيق؛ محض عملية لأدارة الأزمة، والزوغان من استحقاقات العودة الى الحياة الدستورية في إطار النظام السياسي الواحد. 
دخلنا في الأسبوع الثالث بعد ورشة البحرين، ولا شيء فلسطينياً إيجابياً  قد تحرك. هناك بدايات حراك من جانب الورشة المرفوضة ومن يقفون وراءها، وأغلب الظن أن اجتماع رجل الأعمال بشار المصري  مع أفيف كوخافي رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، يتعبر عينة من جنس الحراك المضاد، وإلا ما هي علاقة رجل أعمال فلسطيني برئيس أركان جيش الإحتلال. فالعلاقة تنشأ من تجربة مدينة "روابي" نفسها، كأنموذج صغير، يُراد له أن يُحتذى، لصنع السعادة الوهمية للناس. فــ "روابي" هي البلدة الوحيدة الجديدة التي وافق الإحتلال على بنائها، ولم يكن ممكناً إطلاق أي إسم عليها يتعلق بفلسطين، فاختير لها إسمٌ ينتمي الى التضاريس،  وفي منهجيتها الحَضَرية والإستثمارية، جرى فتح باب التمليك للفلسطينيين والإسرائيليين، وشرعت إدارة البلدة، قبل الإسكان، في تنظيم الليالي المبهجة والسهرات الصاخبة، وبدت رمزية البلدة في كونها ملتقى رأس المال التمويلي القطري مع المستثمر الفلسطيني، عند نقطة التقاطع مع الحالة الإسرائيلية.                                                                         فعندما طلب مستثمرو "روابي" من إسرائيل مد خط من شركة المياه الإسرائيلية "مكروت" اشترطت الأخيرة، أن توافق الأولى، على أن يتفرع منها خط يُغذي مستوطنة "نعوريم" القريبة منها. وفي هذا المثال المختبري المبكر، كل الاستثمار يختلط من الزوايا الثلاث: المال الإستثماري القادم من الخارج، والرأسمال المحلي الفلسطيني المنفتح دونما عوائق سياسية، والمشاركة الإسرائيلية. لذا يمكن وضع المقاربات المنطقية في تفسير الاجتماع الذي أعلن عنه، بين المستثمر ورئيس الأركان، اللذين لن يجمع بينهما سوى تلك الخلفيات المتعلقة بما يُسمى "التسوية الإقتصادية"!
كل هذا مفهوم ويمكن التوسع في شرحه. لكن غير المفهوم للبعض، هو ما يعلل سلوك الإدارة السياسية لدى سلطتي الأمر الواقع الفاقديت للتفويض الشعبي على جانبي الإنقسام. فإن لم نشكك في صدقية ما يقولانه ضد صفقة القرن وضد محاولات تصفية القضية؛ يصح أن ننوه الى ما يخشيانه كل طرف على نفسه: رئيس تقمص شخصية رجل السلام، فأصيب بخيبة أمل كبرى، لكنه لا يريد ــ بالطبع ــ أن  ينتهي نهاية الشهيد ياسر عرفات، وطرف آخر يريد التمسك بالسلطة وبالقوة، حتى الرمق الأخير، لكي لا يندثر. بل إن فكرة الشراكة بحد ذاتها، تدق عنده ناقوس الخطر. وبسبب ما يخشاه الطرفان، فقد اختارا السكون والتشكي، لكن العدو نفسه، لا يقبل أقل من السكون البات، في السياسة وفي المقاومة، لذا تراه يعمل ضد الطرفين: يُضعف الطرف الأول، ويثابر على تحضير بدائله، إن لم يكن من داخل معسكره، فليكن من زبائن الورشة، وفي السياق أسرار كثيرة. وفي الوقت نفسه يتهدد الطرف الثاني،  في كل يوم، لكي يصل به الى النقطة التي يريد، ساعياً الى شطبه أدبياً وإيصاله لى موضع السخرية، مع التذرع به في خطاب التشدد ضد التسوية، وفي تبرير العدوان في كل ساعة.
لمواجة هذا الواقع، بات على كل من الطرفين، الكف عن حديث المصالحة الذي يراد منه خصومة، وأن يذهبا مضطرين، الى الطريق القويم، بلا لف أو دوران. فإن كانا مطمئنيْن الى أن الخطر يتعلق بالقضية دون أن يتعلق بسلطاتهما، فإنهما واهمان، لأن العدو لا يريد لهما وللقضية أقل من الإندثار.

ملاحظة : جميع المقالات التي تُنشر عبر موقع غزة بوست، تعبر عن وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة أن تعبر عن وجهة نظر الموقع.

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )