كتب الدكتور أسامة الفرا: ماذا بعد مؤتمر البحرين؟

كتب الدكتور أسامة الفرا: ماذا بعد مؤتمر البحرين؟
طباعة تكبير الخط تصغير الخط
<
p dir="RTL">غزة - غزة بوست

كتب الدكتور أسامة الفرا:  ماذا بعد مؤتمر البحرين ؟

انتهت حفلة المنامة، دون أن يصدر عنها بيان يجمل ما تفتقت عنه قريحة الصبيين، حضر البعض وغاب الآخر في ظل إجماع فلسطيني على رفضها جملة وتفصيلاً، والملفت أيضاً غياب الإعلام عنها فلم ينقل لنا شيئاً مما دار فيها، فهل خشي المنظمون أن يكشف الإعلام دونية المؤتمر وأن تلتقط الكاميرات الفشل الفاضح، عملاً بالقول "إذا بليتم فاستتروا"؟، أم أنها رغبة في الإبقاء على الحمل الكاذب الذي تبشر به إدارة ترامب والذي تسعى لأن يكون ممراً يسلكه العرب نحو التطبيع مع إسرائيل؟، الحقيقة أن حفلة المنامة لم تكن الحلقة الأولى في مسلسل الوهم الذي أعد غرينبلات السيناريو له فيما يقوم كوشنير بدور البطولة المطلقة فيه، فقد سبق لإدارة ترامب أن اعترفت بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال وقامت بنقل سفارتها إليها وأغلقت قنصليتها في القدس الشرقية، وأغلقت في الوقت ذاته مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وأوقفت مساعداتها للسلطة الفلسطينية وتشن حرباً ممنهجة على الأونروا، ومؤكد أيضاً أن مؤتمر المنامة لن يكون الحلقة الأخيرة.

الرفض الفلسطيني لصفقة القرن قبل أن تكشف الإدارة الأمريكية اللثام عنها جاء من منطق أن المقدمة تفصح عن الموضوع، وما قامت به إدارة ترامب يمثل قفزاً عن الإجماع الدولي المتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي المبني على حل الدولتين، ويقتلع السلام من جذوره ولن يؤسس إلا لمزيد من العنف في المنطقة، والرفض الفلسطيني لمؤتمر المنامة يأتي من منطق أن قضية فلسطين سياسية ولا يمكن القبول بأن تتحول إلى قضية إنسانية يتم علاج تداعياتها اقتصادياً، ولا يمكن أيضاً لفلسطين أن تفتح بوابة التطبيع العربي مع إسرائيل عبر انخراطها في مشاريع اقتصادية، الهدف منها بالمقام الأول خدمة الاحتلال في التنصل من مسؤوليته عن معاناة الشعب الفلسطيني، وبعيداً عن ضجيج الكلام والشعارات علينا أن نفكر ملياً كيف يمكن لنا أن نواجه ما يحاك للقضية الفلسطينية، فلا يمكن لنا أن نكتفي بالرفض دون أن يكون هنالك فعل فلسطيني نستطيع به أن نفرض حضورنا وإرادتنا على مستقبل الصراع في المنطقة.

هناك حقائق مسلمة؛ أولها أنه لا يمكن لكائن من كان أن يفرض علينا القبول بما نرفضه، ولن تجد إدارة ترامب ومعها حكومة الاحتلال من بين الشعب الفلسطيني من يقبل بإعادة إنتاج روابط القرى، وثانياً أن الرفض الفلسطيني لمؤتمر المنامة كبح عربة صفقة القرن لكنه لم يوقفها، وثالثاً أن موقف الدول العربية فيه من التصدع ما لا يمكن أن تخفيه مقولتهم بأنهم لن يقبلوا بما يرفضه الفلسطينيون، وأن الإدارة الأمريكية استطاعت أن تجعل من التهديد الإيراني هاجساً تدفع به الدول العربية للسير في ركب ما تخطط له، ورابعاً لا بد أن ندرك حجم الضعف الذي أصابنا من جراء الانقسام وأنه بات يهدد، بشكل جدي، مستقبل القضية الفلسطينية، وأنه لا قبل لنا متفرقين في مواجهة ما يحاك لنا، تخطيء حركة حماس إن اعتقدت أن أضعاف السلطة الفلسطينية فيه مصلحة لها وإن فعلت ذلك ستعض أصابع الندم حين لا ينفع الندم، وتخطيء حركة فتح إن اعتقدت أن باستطاعتها التصدي لصفقة القرن في ظل الانقسام، ونخطيء جميعاً إن اعتقدنا بأنه يمكن لنا أن نخلق موقفاً عربياً موحداً في ظل خلافاتنا.

إدارة ترامب شرعت منذ عدة شهور في تنفيذ صفقة القرن، ومؤتمر البحرين له ما بعده بغض النظر عن شكله الهزيل ومضمونه المرفوض، وستعمل الإدراة الأمريكية ومن لف لفيفها على معالجة بعض القضايا الإنسانية بشكل جزئي عبر مشاريع تحيل الإشراف عليها لمؤسسات دولية، وقد يمتد تأخير الشق السياسي المتعلق بصفقة القرن إلى ما لا نهاية، فما الذي يمكن لنا أن نفعله؟، وهل يمكن لنا الاستناد فقط على رفضنا اللفظي لصفقة القرن ومدخلاتها؟، إن التهديد الذي تتعرض له القضية الفلسطينية يحتم علينا طي صفحة الانقسام فوراً ودون مماطلة أو تسويف من هذا الطرف أو ذاك ودون الاصطفاف حول صغائر الأمور والمصالح الحزبية الضيقة، والمطالبة بإجراء انتخابات في هذه المرحلة الحرجة على أنها الملاذ لتحقيق المصالحة الوطنية هي ذر للرماد في العيون، وأن نمضي سريعاً نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية والتوافق حول برنامج وطني واضح لمواجهة التحديات التي تعصف بالمشروع الوطني، وتفعيل الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير الفلسطينية ومن ثم دعوة القيادة الفلسطينية لقمة عربية عاجلة لتبني موقف عربي موحد قائم على أن حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يبدأ من بوابة الحل السياسي العادل المبني على المبادرة العربية ومقررات الشرعية الدولية ورفض كل اشكال الالتفاف حول ذلك، إن المحطة التاريخية التي تمر بها القضية الفلسطينية تتطلب منا مواقف وقرارات وخطوات تتناسب مع حجم التحديات، وباستطاعتنا أن نفعل الكثير، ولن يرحم التاريخ أحداً منا إن بقينا نراوح مكاننا ونتخندق في مصالحنا الحزبية الضيقة ونصدح بالكثير من الكلام والقليل من الأفعال.

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )