كتب عدلي صادق: مأزق الحاضرين ومأزق الممتنعين

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

غزة - غزة بوست

كتب عدلي صادق: مأزق الحاضرين ومأزق الممتنعين


بعد أن قيل الكثير، في ذم ما يُسمى "صفقة القرن" لم يعد هناك ما يُقال، إلا ما قاله موسى لأخيه ــ بالمختصر المفيد ــ  في ذلك الحوار القرآني، الذي أنزله الله في سورة طه، وهو ليس أكثر من جملة تفتح لنا جميعاً أبواب الموعظة: يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا"!
فإذا كان السيف قد سَبق العَذَلْ (أي اللوم) وانعقدت الورشة، وحضرها الحاضرون، ومنهم أشباهٌ لهارون، ممن يعرفون الحق ويحيدون عنه؛ فقد وجَبَ على كُلٍ منهم قوله تعالى في السورة نفسها: "كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ، وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً". 
فإن كانت العقود الطويلة، من مكابدات السياسة، لم تفك عقدة واحدة، من تربيطات الهمج المحتلين ومواليهم؛ فهل تَفُكُّها وعود سخيفة، من فتى لا علم له بالسياسة والتاريخ، أرسله ولي أمره الأرعن، لكي يَعِدَ بالمال الكثير، من جيوب العرب وليس من جيب أمريكا، دون أن نعرف كل ما يريد، بعد الذي علمناه عن بعض ما يريد، في القدس والجولان والمستوطنات على أرضنا؟!
سيكون مأزق الحاضرين، أقل من مأزق الممتنعين، إن لم يكن للإمتناع استحقاقه في السياسات الداخلية والخارجية. ذلك على الرغم من كون الممتنعين، أقوى أدبياً من الحاضرين. فبعض هؤلاء يحضر على الرغم من علمه بأن هذه ليست الطريق الصحيحة للتسوية التي يريد. والبعض الآخر ممن لا ولن يزعجهم طي ملف القضية وهيمنة الصهيونية على المنطقة، ليسوا موصولين بالوقائع على الأرض. والبعض الثالث، الذي يمثله متقمصو صفات رجال الأعمال، هم  محض سماسرة يظنونها سوقاً يسهل التربح فيها، ويعتبرونها لحظة اللمعان الساطع لفرص هذا التربح. وهؤلاء من القاطنين على الهامش، ولن يجدوا من يلتفت الى وجودهم، سوى فريق يتطفل على السياسة، من شاكلة هؤلاء الذين حلّوا في البيت الأبيض في لعبة السياسة الأمريكية الداخلية. فإن كان الرؤساء الأمريكيون السابقون، قد فعلوا كل ما يستطيعون، من منطلق الموازنة بين مصالح الولايات المتحدة والتزامهم مع إسرائيل، ولم يحرزوا نجاحاً بسبب اصطدامهم بالعربدة الإسرائيلية المتصاعدة، فما الذي سيفعله هؤلاء الطارئون على السياسة؟. ذلك على الرغم من تسليمنا في سياق محاولات تحقيق التسوية، بضمان إنجاز تاريخي للمشروع الصهيوني، وهو ما يسمى "الحق في البقاء والعلاقات الطبيعية مع دول العالمين العربي والإسلامي" حسب ما نصت عليه مبادرة العرب أنفسهم. فكيف يحقق الإختراق، فريق  لا يفكر أصلاً في الموازنة بين المصالح الأمريكية  في المنطقة وحرصه على إبقاء إسرائيل قوية، لا سيما وهو منذ نحو ثلاثة سنين، يستشعر الحرج من طرح صيغة "الصفقة" ثم يبدأ بالملقوب، بورشة سخيفة وكذوبة في جوهرها، ولا يملك الفلسطينيون أصحاب الشأن، إلا مقاطعتها؟!
صحيح إن مأزق الحاضرين عميقٌ، لكن الأعمق منه مأزق الممتنعين طالما أنهم يستنكفون عن القيام بالحد الأدنى من الخطوات التي تساعدهم على منع جريان الصفقة على قلوبهم ووطنهم ومستقبل قضيتهم.
نحن هنا لا نتحدث من خارج التقاليد الفلسطينية أو من خارج تجاربنا طوال تاريخ الصراع. فمن يَهُن يسهل الهوان عليه. وهؤلاء الذين يستهدفون قضيتنا، ليسوا إلا خليطاً من مأزومين وهامشيين  وأعداء حقودين، يحاولون اقتناص دورهم من ضعف أحوالنا الفلسطينية. فها هم الأيرانيون يحبسون أنفاس دونالد ترامب، الذي لم يعد يعرف كيف يمضي في لعبته معهم.
 ليعلم كل ذي لا حيال "صفقة القرن" أن اللاءات أنواع كثيرة في النحو، وما تناسبنا منها هي اللا المستغرقة لجميع عناصر وأسباب وجنس الشيء الذي نرفضه. أما لا التبرئة، المسبوقة بعاملٍ قبلها يحتاج الى معمول بعدها، فلا تناسبنا. فهؤلاء سهروا على معاينة أحوالنا، فرأوا في عامل أحوالنا ما يساعدهم على الكسر، وبعد الكسر سيكون المعمول من تحصيل الحاصل. 
من بين تقاليدنا القديمة في الريف الفلسطيني، أيام المساكن ذات الجدران والأسقف الطينية التي تحملها جذوع الاشجار؛ كنا في كل خريف، نستعد لهطول الأمطار وهبوب الرياح، فنصبح على موعد مع يوم "التلييس" البهيج، فيؤتى بالطين الممزوح بسيقان السنابل، لدعم وتحصين الدار. ومع أول هطول، في أول أو آخر أكتوبر،  يهتف الصغار مخاطبين الدنيا:" أمطري وزيدي .. بيتنا حديدي"!

×