بقلم عدلي صادق: من أين يتغذى الإرهابيون في سيناء؟

بقلم عدلي صادق: من أين يتغذى الإرهابيون في سيناء؟
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

غزة - غزة بوست

بقلم عدلي صادق: من أين يتغذى الإرهابيون في سيناء؟

 

 

 استفاق المصريون في فجر يوم عيد فطرهم، على نبأ هجوم متزامن، على مركزين للجيش في منطقة العريش، أودى بحياة عدد من أجناد مصر، الذين كما في طبائع حياتهم وحياة الشعوب المسلمة، يؤدون فريضة الصيام ويحتفون بالشهر الفضيل. ولم يكن الضحايا الشهداء، إلا رجالاً يؤدون الخدمة العسكرية ويقومون بواجبهم لكي لا تكون تلك البقعة من أراضي وطنهم، مرتعاً لقوى ظلامية نذرت حياتها للقتل والعصف بالسلم الأهلي وجعلت كل من لا ينتمي اليها عدواً وهدفاً، حتى وإن كان من المواطنين البسطاء الآمنين، الذين يؤدون فرائض الصلاة في مسجد لهم، مثلما حدث في منطقة "بئر العبد" في سيناء، في التاسع من نوفمبر 2017. ففي ذلك الحدث، كان الهدف "مسجد الروضة"، اقتحمه المجرمون وفتحوا النار على المصلين، فقتلوا 309 وأصابوا نحو مئتين!
في الحقيقة، وبعد كل جريمة، تعجز الأذهان عن تخليق أي جديد، في وصف طبائع هؤلاء، إذ استُنفدت كل المفردات الشائنة في الوصف ، وبقيت الأسئلة الكثيرة قائمة، وتتعلق كلها أسباب بقاء مثل هذه الشراذم طوال سنوات، عن حقيقة طموحاتهم في أقل الصيغ جنوناً، إن كانوا يتوهمون، أن بلداً بحجم مصر، سيُمنى بالهزيمة
أول الأسئلة التي بقيت بدون إجابات واضحة، هو: كيف استمر هؤلاء في سياقهم الدامي، دون أن تتمكن الدولة المصرية، من تجفيف مستنقعهم بشكل نهائي، على الرغم من القوة العسكرية التي تجردت للقضاء عليهم، إنقاذاً للوطن المصري وشعبه؟ وما هي ــ ثانياً ــ الأطراف التي ستكون ــ حُكماً ــ تساندهم مباشرة، وتوفر لهم التغطية الدعائية بطرق غير مباشرة؟ وما هو ــ ثالثاً ــ عنصر الربط، الغامض والمستتر، بين شراذم الإرهاب في سيناء، والطرف المتأسى على إحاطة حكم "الإخوان" في مصر، استناداً الى إرادة شعبية، سجلت حقائقها كاميرات التلفزة يوم 30 يونيو 2013 في القاهرة؟!
توخياً للدقة، سنتحاشى في مقاربات الإجابة عن هذه الأسئلة، الإشارة الى عناوين محددة. لكن وقائع استمرار العمليات الإرهابية في سيناء، يؤشر الى توافر العامل السيبراني للإرهابيين، على الرغم من السمات الإجتماعية البدائية لعناصر مجموعاتهم. والسيبرانية، هي عملية مسح معلوماتي عبر أنظمة شبكية، للاتصالات والمتابعة، تتوافر لدى الدول الإقليمية المتقدمة على هذا الصعيد، والتي يمكن أن تنقلها الى أطراف أخرى، مهما كانت صغيرة، لتعزيز فاعليتها، ولضمان سرعة استجابتها لما تريد. فقد لوحظ أن العمليات الإرهابية في سيناء، تأتي باستمرار كأصداء لتطورات سياسية في الإقليم، وحيث يوجد طرفان: دولة مصر التي استحوذت على قوة السيطرة على مصيرها السياسي والأمني، وذهبت الى مشروعات تنمية كبرى، وعلى الجانب الآخر، أطراف لا زالت تعتقد أن في مصر دولة هشة قابلة للكسر. غير أن هذه الدولة، التي استطاعت ترسيخ الأمن في قلبها الذي يمثله وادي النيل وجوانبه الجغرافية القريبة، لا زالت بصدد تحقيق المستوى نفسه من الإنجازات الأمنية، في الأطراف، وبخاصة في أراضي سيناء التي جعلتها عوامل تاريخية قديمة وجديدة، تتسم بنوع من الفجوات أو الفراغ الأمني، الذي زادته إشكالية بُنية المجتمع، القبلية، وما كان فيه من تداخل بين العناصر الوطنية وعناصر أخرى تأثرت سلباً بأجواء الإحتلال الإسرائيل من سنة 1967 حتى سنة 1982. ففي تاريخ شبه جزيرة سيناء، كما تاريخ صحراء النقب في فلسطين، كان هناك هذا النوع من التداخل، ففي أحداث الحرب العالمية الأولى، وفي سياقاتها الحرب العثمانية ــ البريطانية، وما رافقها من تحشيد للعرب على الطرفين (ثورة الهاشميين مقابل الباقين على الولاء العثماني) استحوذ الطرفان على مجاميع من عرب البداوة، وارتسم مشهد شديد التعقيد!
لا يُعقل، بالمنطق، أن ينطوي الخونة الذين يقاتلون الدولة المصرية في سيناء، على كل ذلك السلاح والذخائر، دون أن يكون هناك شريان للتغذية متاح لهم. هذا أولاً. وما هي مصادر هذا الشريان، إن لم يكن دول إقليمية قادرة على اختراق كل التدابير الصارمة التي اتخذتها الدولة المصرية، بقواتها المسلحة وقواها الأمنية، على مداخل سيناء ومخارجها؟ ومن أين تأتي وكيف تختبيء طويلاً العناصر الإرهابية، التي جعلت نفسها وقوداً لهذه الحرب القذرة التي تخوضها ضد مصر، بالقدرة والبراعة على الإختراق، وعلى التجدد، واستنباط تكتيكات الحركة، واختيار الأهداف، دون أن تتوافر لها اتصالات سيبرانية ووسائل عسكرية، وذخائر، وتدريبات، وبالطبع بنية تحتية للأنظمة الشبكية عبر الإنترنت؟
في منهجية هذه الرؤية، وبإيجاز شديد، نرى أن إسرائيل ومعها المحور الإقليمي المناويء للدولة المصرية، غير بعيدين عن الضلوع في الأمر، على الرغم من محاولات هذه الأطراف الإيحاء بغير ذلك، من خلال إظهار التعاطف الكاذب والتعاون الأكثر خبثاً بالنسبة لإسرائيل، واستخدام الأطراف الأخرى لتعبير الإرهاب ووصف الإرهابيين بوصفهم الطبيعي. ولنأخذ ملمحين مشهودين، للدلالة على ما نقول.
على مر التاريخ، كانت سيناء في ناظر راسمي السياسات الإمبراطورية الذين وضعوا عيونهم على المنطقة، تمثل ملتقى القارات وحلقة الإتصال بينها، وفي جانبها الغربي قناة السويس أهم حلقات المواصلات في العالم، وقد اعتبروها ذات أهمية استراتيجية لا تُضاهى. وكانت سيناء هي المساحة التي حُسمت فيها أوضاع قلب العالم، في الحرب العالمية الأولى، وعندما احتلتها إسرائيل في العام 1967 اعتبرها الجنرالات الإسرائيليون "قبضة الفولاذ". ولما فاوضت مصر إسرائيل لكي تستعيد منها سيناء، ظلت الأخيرة ترى في إخلاء سيناء انكشافاً استراتيجياً لها من الناحية العسكرية، وحاذرت وضغطت لكي لا تمتلك مصر المزايا العسكرية لشبه الجزيرة، وقد تحقق الجلاء مع تدابير خاصة ومديدة لأراضي سيناء. ولننظر الآن، الى ما حدث في بدايات تموضع الإرهابيين في سيناء. فقد شوهد شريط فيديو لهؤلاء، يقومون باستعراض عسكري، بنحو ألف سيارة من ذات الدفع الرباعي، محملة برشاشات ثقيلة وعناصر مسلحة، على بعد أمتار من حدود النقب، أمام ناظر الجيش الإسرائيلي. وكان الإرهابيون يستفيدون من خلو المنطقة من قوات مصرية كافية لحسم أمرهم. هنا، تتبدى سيناء وكأنها لم تعد "قبضة الفولاذ" ولا ذات أهمية استراتيجية، طالما أن إسرائيل، لا تجد غضاضة في تموضع قوة مسلحة ممن يزعمون أنهم أصوليون ومتطرفون. فهل رأت إسرائيل، أن هؤلاء ــ مثلاً ــ أكثر أمناً بالنسبة لها من القوات المسلحة المصري؟ بعدئذٍ، وبحكم انكشاف عنصر التواطؤ الإسرائيلي، اتبعت إسرائيل تكتيكات أخرى، لإظهار التعاطف والتعاون.
الملمح الثاني المشهود، على الجانب الآخر، هو أن إعلام "الإخوان" وبعد كل عملية إرهابية، يعرضون بعض المواد المتعلقة بتفصيلات ما جرى، وتنسبها الى مصادر في سيناء. بل إن هذا الإعلام، قدم بعد عملية العريش فجر يوم العيد، نص محادثة لاسلكية بين ضباط وجنود الموقع المستهدف وقيادته العسكرية. فسواء كان ما عُرض صحيحاً بحكم العنصر السيبراني الذي في حوذة الإرهابيين، أو كان مفبركاً، فإن هذا الملمح يؤشر الى أحد مصادر التغذية للمجموعات الإرهابية، سواء كانت المادة صحيحة أو مختلقة!

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )