حضارة

الاختيار وألاعيب الرُبان

الاختيار وألاعيب الرُبان
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

غزة - غزة بوست

كتب : عدلي صادق

انتهت الزفة وشوهد المتظاهرون بالسعادة، على السوشيال ميديا، يرشون على الموت سُكّراً ويهتفون لعباس: اخترناك، دون أن تكون هناك مناسبة اختيار. بالمقابل شوهد مستهجنو هذا الاختيار الإستباقي للرجل بعد كل ما فعل، يعبرون عن استنكارهم ويطالبون برحيله، ومع انتهاء الزفة خرج كل طرف راضياً واهماً أنه قد غلب.
لقد جرى كل هذا، بعيداً عن أسئلة المصير وعن أسئلة السياسة. وبتلخيص الأمر، نقول إن طرفاً من القوم، وهو ليس الشعب ولا اثنين في المئة منه،  اختار أن يلعب حكاية ديماغوجية، على خشبة المسرح، بذريعة حكاية يروجها طرف ديماغوجي آخر، لا شرعية دستورية لحكمه في قطاع غزة. وفي الحكايتين، حكلا يقترب الطرفان من قضايا حياة الفلسطينيين وتفصيلاتها، وملخصها في هذه الأثناء: تردي ضعية النظام السياسي، انحطاط حال العدالة والمواطنة المتساوية ونزاهة الممسكين بمقاليد الأمور، تفاقم الأزمات الخانقة ومآسيها اليومية، انخفاض مؤشر القدرة على مواجهة الإحتلال بوزن وفاعلية الكتلة الشعبية الى الحضيض. بشاعة مشهد الإنقسام الفلسطيني وصورته المنظورة من الخارج..
 من وراء هذه المسائل كلها، انشغل في زفة اخترناك ولن نختارك، الموصولون بأجهزة الصراف الآلي الذين يتقاضون أجزاءً من حقوقهم، وانشغل معهم ومقابلهم، ممنوعون عن الصراف الآلي سواء ممن شحت مواردهم وأحرجهم نقل الدولارات من إسرائيل بسيارة الممثل القطري أو الذين قطعت رواتبهم، وكان هذا كله في قطاع غزة دون سواه!
الذين هتفوا قائلين اخترناك، وزادوا في الرياء قائلين إن عباس رُبان السفينة، وهم مستعدون لأن يعبروا من ورائه البحر بلا مَركب، ليسوا مؤهلين للإجابة عن سؤال فرعي بسيط، ليست فيه تعقيدات أسئلة المصير: لو إن رُبان السفينة هذا، وهو رجل طاعن في السن، قد أدركه الموت الحق، أثناء الإبحار، فكيف تكون العودة الى المرفأ إن كانت الرحلة بحرية، أو العودة الى الجانب الآخر إن كانت رحلتكم نهرية؟ 
ربما يظن البعض أن الأمر سيكون سهلاً، وبالطبع يتعمد الذين يدركون صعوبة السؤال، عدم التفكير فيه وعدم إثارته. لكن الذي سيجري، أن العلاقات بين أفراد الحاشية الممسكة بأطراف ثوب الفقيد،  التي تتحدث عن شرعية بلا نصاب ولا نظام ولا مؤسسات دستورية تؤمن للشعب الفلسطيني انتقالاً نظامياً شرعياً للسلطة؛ ستنفجر من اللحظة الأولى وقبل دفن الميت. فالمتزاحمين على التركة سيتشاجرون مع بدء التحضير للاستعانة بالإطار المسمى "المجلس المركزي" وهو إطار رخو، مفتوح ومغلق، حسب قرار من يتحكم فيه ومن يسمح أو لا يسمح بانعقاده، ومن يمنح العضويات وينزعها، في غياب مؤسسات السلطة. في تلك اللحظة سيكون القدح المُعلى للممسكين بعملية التنسيق التي تحدد من يحضر ولا يحضر، ولهؤلاء منافسوهم ضمن حاشية الفقيد، وأمين سر اللجنة التنفيذية ضعيف وليست لديه قطعة سلاح واحدة، والجماعة كلها غير منسجمة، وقد تشبعت بنعرات مناطقية، أدمنتها مع طول مدة غياب تقاليد العمل المنزهة عن الصغائر، ومع طول غياب ثقافة العمل الوطني المترفعة عن الحسابات الضيقة. وسيكون العدو حاضراً بالطبع، في المكان نفسه الذي سيجري فيه الانعقاد، فهو في نقطة مصنفة على خرائطه، كمنطقة عسكرية مركزية. في هذه الحال، وبحكم طبائع الأمور ومجرياتها، ستكون تركيبة الحضور ملفقة على مقاس الفئة الغالبة، أو بمراعاة صيغة توافقية، بين طرفين غالبيْن من طالبي التوريث. ومن الذي سيغلب في مناخ يعلو فيه شأن جماعة التنسيق الأمني؟!
إن هذا هو المآل السياسي للنظام الذي سيتركه الربان الجهبذ، الذي يتغاضى المراءون عن كل أفاعيله، لكي تستمر علاقتهم بالصراف الآلي. وسيكون وضع الكيان الفلسطيني، مضروباً بآخر خوازيق الفقيد لضرب وحدة الفلسطينيين ووحدة حركة فتح ووحدة الوجدان الشعبي. وسيكون الناس مضروبين بفقرهم ونوم حالهم ودمار اقتصادهم بعد رحيل رجل جمع من مقدرات الناس ومن نفوذ السلطة، ثروة طائلة لأولاده. عندئذٍ، من الذي سيكون بمقدوره أن يتحدث عن خيارات منظمة التحرير الفلسطينية، وأن يتشدق بكلام عن الشرعية كما لو أن الشقيري حاضرٌ وفي معيته ياسر عرفات وجورج حبش؟
في مسرحية اخترناك ولن نختارك، انتهى الأمر بالنسبة لمن اختاروا، بتثبيت الربان الأوحد وطمأنة قلبه، لكن أسئلة المصير ظلت تقلقنا وتتهدد المرائين وغير المرائين. وبالنسبة لمن قالوا إرحل، ظلت الأسئلة قائمة، ومعها ذلك السؤال البسيط عن احتمال موت الربان. 
في كلمته أمام القمة العربية الأوروبية، يستبق الرُبان كعادته، السؤال عن وضعية النظام الفلسطيني فيواصل ألاعيبه ويكرر الوعود باجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، وكأن هذه الانتخابات يمكن أن تُجرى، قبل استعادة المؤسسات والعمل بالوثيقة الدستورية وإنهاء التفرد وتكريس القانون. 

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )