ليالي الرعب في غزّة بقلم: روعة عثمان

ليالي الرعب في غزّة بقلم: روعة عثمان

ليالي الرعب في غزّة بقلم: روعة عثمان

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

غزة_غزة بوست

بقلم/روعة عثمان

 

لحظاتٌ ثقيلةٌ طويلة. الدقيقة الواحدة دهرٌ كامل. تنتظر ما يخبّئ لك القدر، موتًا أو حياة. إن كان موتًا، فما شكله؟ هل سيخطف كل أفراد أسرتك؟ أم سيختار أكبرهم سنًّا أو أصغرهم؟ هل سيسجلنا التاريخ ضمن مأساة عائلة جديدة، كعائلة محمد الحديدي الذي صار حضنُه شاغرًا سوى من طفله عُمر الذي لم يتجاوز الأشهر الستة؟ عُمر شاهدٌ حيّ على وحشية الاحتلال الإسرائيلي بحقّ عائلته التي كانت تقضي أيام عيد الفطر عند الأقارب لحظة أصابتها الصواريخ، فولّدت مأتمًا من رحم العيد.

 

في الحرب كلّ شيء مباح، إن كنتَ رضيعًا لا تعرف من العالم سوى صدر أمّك، أو طفلاً لا يتجاوز سقفُ أحلامه لعبةً جميلة، أو شابًّا يخطّط بطموحٍ لمستقبله، أو عجوزًا لا يرجو إلا رحمة الله، أو طيرًا أو حيوانًا يبحث عن ملجأ، أو شجرة يستظلّ بها الكادحون الساعون خلف رزقهم، أو أرضًا تحتضن المارّة الباحثين عن أمل. ومع كل قذيفةٍ وصاروخٍ تطلقها الطائرات الحربية تهيّئ نفسك كأنك المستهدف التالي.

أن نموت جميعًا أو لا نموت

 

تتعالى أصوات الحرب، فيجتمع شمل أسرتي المكوّنة من ثمانية أفراد، أصغرنا رسيل، عشر سنوات، وغرام، سبع سنوات. نتكدّس في ممرّ ضيّق معتقدين أنه الأكثر أمانًا لكونه الأكثر بُعدًا عن منافذ المنزل. لكنّنا ندرك تمامًا أن لا قوانين تمنع العدوّ، الذي تميل لصالحه كفّة القوة التسليحية، من استهداف أيّ نقطةٍ يريد.

 

لا تزال أصوات الصواريخ حاضرةً في دماغي. أذكر الخوف الذي عشته وأسرتي في اليوم الخامس من الحرب عندما استشرسَت الطائرات الحربية في غاراتها. سمعنا أصواتًا لم نعهدها من قبْل، نحن الذين شهدنا في السابق ثلاث حروبٍ قاسية. جلسنا في الممرّ. بكيتُ بشكل هستيري من شدّة الخوف، ولم تمنعني سنواتي الاثنتان والثلاثون من ذلك. أعترف بأني لم أعِشْ خوفًا كالذي عشتُه في هذه الحرب. وفي كلّ لحظة، أرفع السبّابة نحو السماء وأنطق الشهادتين. كم حضنتُ شقيقتيَّ الصغيرتين. حضنتهما حدّ الذوبان، بقوّة من يخشى الفَقد. وازدحمت أفكار الموت في مخيّلتي؛ فرحلنا جميعًا وبقيت رسيل وغرام.

 

وتوقّفْت. لم أقوَ على إتمام رسم ما يتبع الرحيل من أسى: ماذا ستفعلان؟ كيف ستعيشان؟ كيف... أحكمتُ ذراعيّ حولهما. حينها فقط تمنّيتُ الموت للجميع. شعرتُ أنه نعمة، فإما أن تفتح الحياة لنا ذراعيها من جديد، أو تطوينا معًا. لم أرِدْ لأيٍّ منّا أن يعيش مأساة الفراق، وألم الحسرة على أحبّة رحلوا.

 

المخيّلة متعبة في الحرب. تطلق لها العنان فتصبح قصتُكَ، في أي لحظة، قصةَ عائلة سعيدة تحوّلت إلى مأساةٍ تتسارع وسائل الإعلام لنقلها. وسرعان ما تصبح أنتَ وعائلتكَ وقصّتكَ جزءًا من الماضي يطويه سكون العالم الذي استباح دماءك.

 

بين الحذاء والطيور «مكالمة»

 

أحد عشر يومًا لم نذُق طعم الراحة أو النوم، فقد حاصرتْنا النيران من البحر والأرض والسماء، وما بأيدينا سوى الدعاء. من السماء موتُنا ورحمتُنا منها. كلما اشتدّت أصوات القصف ازداد خوفي، وكلما ازداد خوفي وجدتُ أبي يُمدّني بالقوة: «نحن مظلومون يا الله، والنصر دائمًا للمظلومين».

 

وإلى الهاتف تسرّب الخوف، فصار رنينه مصحوبًا بعبارة «ربما هي مكالمة تحذيرية تطلب منا مغادرة المنزل». وعند عتبة الدار كانت حقائبنا وأمتعتنا وأشياؤنا المهمّة تنتظر «المكالمة»، كما نحن نفعل، حتى يسهل عليها الهرب معنا.

 

أكثر ما آلمني أنّ أختي الصغرى غرام وضعت حذاءها الرياضي الجديد، والذي كان من المقرر أن ترتديه خلال أيام العيد، إلى جانب حقائب الهروب. خافت تركه في المنزل، فيزول المنزل ويزول الحذاء ومعهما فرحة انتعاله من جديد. غبطتُها على كونها طفلة. صحيحٌ أن أصوات الصواريخ أرعبتْها، لكنّ رعبَها بدا طفوليًّا تمثّل بخوفها على أشيائها من ملابس وألعاب. أما رسيل فخافت على طيورها، لم يغمض لها جفنٌ قبل الاطمئنان أنها إلى جانبها، على قيد الحياة. تمنيت لو أني طفلة لا تدرك معنى وحشية الحروب، حتى لا يرهقني التفكير في سيناريوهات الموت.

 

وسط حفل الموت هذا، يصبح أقصى طموحاتك سرقة لحظة هدوءٍ كي تسدلَ جفنَيك لبرهة، فتفشل. طوال فترة الحرب لم يزُرنا النوم. صارعْناه وصارعَنا حتى غلبَنا معلنًا النصر بحفر طريقٍ سوداءَ موحشة أسفل أعيننا، وعلامات التعب والإرهاق على وجوهنا.

 

الصمت

 

التوتر والقلق سيّدا الموقف. تابعنا الأخبار لحظةً بلحظة، منتظرين أنباء سارّة تزفّ خبر وقف الحرب المجنونة التي أفقدتنا أعصابنا وجعلتنا نترقّب الموت. ما خفّف عنا وسندَنا وساندنا ضرباتُ المقاومة الموجعة للاحتلال. صحيح أنّ خوفنا كان كبيرًا، لكنّ دعمنا لمقاومتنا الباسلة كان أكبر. كلّما اشتدت ضربات الاحتلال ازددنا يقينًا بعدالة قضيتنا، وأنّ عدوّنا لا يفهم سوى لغة القوة.

 

في اليومين الأخيرين من الحرب، كثُر الحديث عن احتمال وقف إطلاق النار بين الاحتلال الإسرائيلي وفصائل المقاومة. كان الجميع مترقّبًا: هل سيتوقف إطلاق النار، أم سنبقى تحت جحيم اللهب إلى أجلٍ غير مسمّى؟ تلاعبت وكالات الأنباء بأعصابنا، فتارةً تتحدث عن هدوءٍ قريب، وطورًا تنفي ما أشاعت من أمل.

 

وبعد تكرار التأكيد والنفي، أعلنتْ مصر، مساء يوم الخميس في العشرين من شهر أيار/ مايو، عن التوصل إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار يدخل حيّز التنفيذ في تمام الساعة الثانية من فجر يوم الجمعة.

 

هي لحظات فرح تقطر خوفًا من أن يفشل الاتفاق، فنعود إلى نقطة الصفر.

 

عشتُ تلك الليلةَ توتّرًا أفشلُ اللحظةَ في وصفه. حاولتُ إشغال نفسي بما يسارع الوقت وينسيني التفكير في معوّقاتٍ قد تواجه تنفيذ وقف إطلاق النار. كلما اقتربنا من الساعة الثانية، ازداد خوفي وتسارعت ضربات قلبي وتثاقلت أنفاسي.

 

أقفلتُ جميع وكالات الأنباء خوفًا من سماع ما قد يسلبنا فرحتنا بنهاية الحرب. وبعد انتظارٍ دام دهرًا، دقّت الساعة الثانية، وتسمّرْت.

 

وعند الثانية وخمس دقائق أعلنتُ فرحي. هرعتُ نحو أحضان أسرتي وارتميتُ فيها. ولأول مرةٍ منذ بدء الحرب، شعرتُ بخفّةِ حضن رسيل وغرام.

 

صمتت أصواتُ المدافع، وتعالت طبولُ النصر على عدوّ ظنّ أن قوّته العسكرية تهزم شعبًا جلُّ ما يملك كرامته وحبّ الأرض. صحيح أن الحرب انتهت، لكن تبِعاتها لم ولن تنتهي، فكل زاوية في غزّة شاهدة على حجم الدمار، وكل منا كان له نصيب، فمنّا من فقَد أحبّة، ومنّا من فقد بيتًا أو رزقًا، ومنّا من عاش خوفًا وصدمة نفسية. كانت خسارتنا كبيرة ومؤلمة، لكنّنا على يقين بأن الأرض لن تعود إلا بدمائنا الزكيّة.

 

في غزّة نعلم تمامًا أنّ هذه الحرب لن تكون الأخيرة، وأنّ مواجهةً أخرى مع جيش الاحتلال بانتظارنا، هذا الجيش الذي عجز عن كسر صمود أهلنا بعد خمسة عشر عامًا من حصارٍ خانق. ومهما طال ليل الظلم، ستبقى غزّة قلعة الصمود وشعلة النضال ورمز المقاومة. وحتى ذاك الموعد، ستبقى غزّة تربّي جذوة الثأر في ضلوع أهلها، وتحاول لملمة جراحها، فقبور الشهداء لا تزال رطبة، والعين دومًا على القدس.

 

 

×