نحو وقفة مع الذات بقلم/ عدلي صادق

عدلي صادق

عدلي صادق

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

فلسطين المحتلة_غزة بوست

كتب المحلل السياسي عدلي صادق

 

لبرنامج "همزة وصل" على شاشة "الكوفية"

 

نحو وقفة مع الذات

 

ينشط في غزة، من جديد، وباء الكورونا ويحصد أرواحاً. وتتضارب التصريحات، عن الحال العامة، وكلها تقع في خانة الفرضيات، إذ قيل بعد الإجتماع الثلاثي في القاهرة، أن عملية إعادة الإعمار، ستبدأ بعد أيام، بينما الكلام الذي سُمع من حماس في غزة، له وجهة أخرى، إذ يعدد المتطلبات التي لم تتحقق، لكي تكون التهدئة. والمحتلون يتحدثون عن تسهيلات محدودة ومشروطة، ويهددون بالحرب.

 

الكلام السياسي في القاهرة، يؤكد على قواعد عملية التسوية وضرورة العودة الى المفاوضات، بينما رئيس الحكومة الإسرائيلية، يشرح أسباب استنكافه على الخوض في شي من جنس السياسة، ويقول إنه يوفر على العرب والفلسطينيين مشقة انتظار شيء لن يتحقق، ويعترف بأن التسوية أمر مستحيل وأن الحرب غير مستحبة، وبالتالي يرى الخيار الأمثل هو السكون، مع الإستعداد لتقديم ما يصفه بـ "التسهيلات" وكفى!

معنى ذلك كله، أن ما نسمعه لا يعدو كونه محض فرضيات. فالحقيقة الوحيدة، هي أن المحتلين لن يذهبوا الى التفاوض، وهم مصممون على إفراغ الموقف الفلسطيني من السياسة، وإبقاء الأمن وتدابير المقايضة بين التهدئة وبعض احتياجات السكان. أما الكلام العربي، عن السلام، فهو غير مشروط بشيء، ولا يَعدُ بأي خطوات جوابية في حال استمرار العنجهية الصهيونية، وإنكار وجوب التسوية وتكريس الإنسداد، وتكريس الأمر الواقع. والأغرب أن تداعيات الموقف الإسرائيلي، لا تنعكس في السياسات العربية، إيجاباً على أحوال الفلسطينيين كمجتمع وبشر. فالمطلوب من الجانب الفلسطيني، هو السكينة مهما كانت السياقات. وإن كان هذا هو ما تتقبله السلطة الفلسطينية، فإن القوى الفلسطينية الأخرى المسلحة ترفضه، وبالتالي فإن المشكلة في هذه المعادلة تلد أخرى. فإن استمر الإحتكاك، بصيغة الإرباك الليلي أو غيرها، يهدد المحتلون بالعودة الى الحرب، وهكذا نجد أنفسنا أمام خيارات صعبة، لا سيما مع استمرار الحصار والخنق، وتفشي وباء الكورونا والأزمة الإقتصادية بكل أضرارها الإجتماعية. 

 

مشهد معقد، وسياقات من العدم، ما تزال غير كافية لإقناع الحركات والفصائل، بالتوافق على استراتيجية عمل وطني واحدة، يتاسس عليها كيان سياسي ديموقراطي، يستند الى شرعية دستورية. 

 

لقد مر الكثير من التجارب والمحاولات، التي من شأنها إقناع كل الأطراف، بأن سياقاتها عقيمة طالما استمر الإنقسام. والأفدح أن موضوعة التمسك بالحكم، ما تزال هي سبب العلة، بينما الحكم على جانبي الخصومة، يكابد مصاعب ذاتية وموضوعية. فخيار أهل التسوية، يواجه الإنكار الإسرائيلي لوجوبها، والمحتلون يعلنون عن كون السياسة ممنوعة، والمصرح به لا يتعدى الإتصالات الأمنية ومسائل تتعلق بالحياة اليومية. وفعل المقاومة، على الجانب الآخر، بات ممنوعاً تحت طائلة آلة التدمير الشامل، التي تضرب المجتمع وتقتل الأطفال وتهدم العمائر. وفي التفصيلات، تقتصر أسباب الإشتعالات المحدودة، على مطالب من صلب الإحتياجات الإجتماعية، فتتصاغر الأهداف. وهنا يصح القول، أن مثل هذه المآزق التاريخية، تتطلب وقفة موضوعية مع الذات، بعد تنحية المسائل الإعتبارية وحسابات الحكم والتفرد، والذهاب الى توافق وطني، يُراعى فيه البُعد الإجتماعي، على قدم المساواة مع ضرورات الحفاظ على القضية الوطنية، لكي لا تذروها الرياح بسبب هذا التخبط. فالقضايا لا تموت عندما يتريث أصحابها، لكن الرعونة هي التي تُضعفها أو تعرضها للموت، لا سيما عندما تُبتلى الأمم بتعدد الإستراتيجيات وتعارضها، وبدكتاتورية الأمن التي تستقوي على الشعب، وتفتش لنفسها عن أسباب بقائها، حتى وإن استعانت بالعدو نفسه!

×