التفكير خارج مربع الكفاح المسلح … قراءة في ضرورات المرحلة
مفهوم التفكير خارج مربع الكفاح المسلح :
يعني التفكير خارج المربع التقليدي للكفاح المسلح فتح المجال أمام وسائل جديدة لخدمة الهدف الوطني. لذلك، لا يمكن النظر إلى المقاومة كفعل أحادي البُعد، بل كمنظومة متكاملة تشمل الوعي، والتنمية، والسياسة، والإعلام، والثقافة.
بعبارة أخرى، الكفاح اليوم لا يعتمد فقط على المواجهة المباشرة، بل على توسيع دائرة التأثير وإعادة صياغة أدوات الضغط. مثال ذلك، أن النضال يمكن أن يتجسد في حملات إعلامية منظمة تُغيّر صورة الصراع في أذهان الشعوب الغربية، أو في تحركات قانونية أمام المحاكم الدولية. والأهم من ذلك كله أن التفكير الإبداعي في المقاومة لا يلغي الكفاح المسلح، بل يُكمله ويُحسّن من نتائجه.
التحول في طبيعة الصراع العربي – الإسرائيلي :
شهدت السنوات الأخيرة تحولات جوهرية في شكل الصراع العربي الإسرائيلي. نتيجة لذلك، تغيّر مفهوم المواجهة من صدام مباشر إلى معركة وعي طويلة الأمد. في غضون ذلك، برزت قوة الإعلام، والتقنيات الرقمية، والمنصات العالمية كأدوات حقيقية لتغيير موازين القوى.
على سبيل المثال، أصبح مشهد طفل فلسطيني يواجه جنديًا مدججًا بالسلاح أكثر تأثيرًا من معركة عسكرية محدودة. لذلك، أدركت حركات المقاومة أن المعركة الإعلامية لا تقل أهمية عن المواجهة الميدانية. علاوة على ذلك، فإن الاحتلال نفسه بدأ يعتمد على الدعاية والتضليل لتبرير جرائمه، مما يجعل الرد عليه يحتاج إلى أدوات فكرية وتحليلية وليس فقط نيران المواجهة.
المقاومة الفكرية والإعلامية كجبهة جديدة :ّ
تعد المقاومة الإعلامية اليوم أحد أهم أسلحة القرن الحادي والعشرين. ومع ذلك، لا تزال بعض القوى الوطنية تُهملها. لذلك، فإن إدراك أهمية الإعلام في تشكيل الرأي العام الدولي بات ضرورة وطنية.
في نفس السياق، فإن نشر الحقائق بالصورة والفيديو والتحليل الموثق أصبح أداة نضالية فعالة. فبدلاً من مواجهة الاحتلال فقط في الميدان، يمكن مواجهته أيضًا في فضاء الإنترنت، وفي عقول الشعوب الحرة.
للتوضيح، عندما تظهر الكاميرات معاناة المدنيين وتفضح جرائم الاحتلال، تتحول تلك اللقطات إلى ذخيرة سياسية أقوى من الرصاص. وبالتالي، التفكير خارج مربع الكفاح المسلح يعني أيضًا السيطرة على السردية، وعدم ترك العدو يُشكّل الرأي العام كما يشاء.
البعد الاقتصادي والاجتماعي في النضال الوطني :
من ناحية أخرى، فإن الكفاح لا يمكن أن يكون فعالاً إذا لم يستند إلى قاعدة اقتصادية صلبة ومجتمع متماسك. لذلك، من الضروري أن يترافق النضال السياسي مع مشاريع اقتصادية تُعزز الصمود الداخلي. على سبيل المثال، دعم الإنتاج المحلي، وبناء مؤسسات مجتمعية قوية، وتنمية التعليم، هي خطوات تُسهم في بناء جبهة داخلية قادرة على المقاومة والاستمرار.
في غضون ذلك، تعد المقاطعة الاقتصادية للمنتجات الداعمة للاحتلال شكلاً متقدمًا من أشكال النضال الشعبي، يعبّر عن وعي جماعي وإرادة حقيقية للتأثير. وبالمثل، فإن دعم المبادرات الاجتماعية والثقافية يُسهم في الحفاظ على الهوية الوطنية، ويمنع محاولات الطمس والتطبيع.
أهمية الدبلوماسية والمرافعة القانونية الدولية :
التفكير الحديث في النضال الوطني يشمل اليوم ساحات جديدة مثل المحاكم الدولية والأمم المتحدة. لذلك، فإن الدبلوماسية النشطة والمرافعة القانونية أصبحت جبهات حقيقية للمقاومة. فالتوجه إلى محكمة العدل الدولية، ومجلس حقوق الإنسان، والمنظمات الحقوقية العالمية، بات من الضرورات الملحة لتوثيق الجرائم وملاحقة المسؤولين عنها.
علاوة على ذلك، فإن النجاح في كسب دعم الشعوب الغربية لا يأتي عبر الخطابات فقط، بل من خلال عرض الحقائق القانونية بلغة يفهمها العالم. وهذا يعني أن بناء فرق قانونية ودبلوماسية محترفة أصبح جزءًا من منظومة الكفاح الوطني الحديث.
دور الجيل الشاب في تطوير أدوات المقاومة :
خلال السنوات الأخيرة، أثبت الشباب الفلسطيني والعربي أنهم طاقة لا يمكن تجاهلها. لذلك، أصبحوا في طليعة التفكير الإبداعي للمقاومة. على سبيل المثال، ساهموا في إطلاق حملات إلكترونية عالمية، ونشروا الوعي بالقضية الفلسطينية على منصات التواصل الاجتماعي.
بالإضافة إلى ذلك، أدخلوا مفاهيم جديدة في النضال مثل المقاومة الرقمية، والمقاطعة الإلكترونية، ونشر الروايات المصورة التي توثق الأحداث بطريقة فنية مؤثرة. والأهم من ذلك كله أن هذا الجيل لا يفكر فقط في المواجهة، بل في التأثير المستدام طويل الأمد.
الموازنة بين السلاح والسياسة :
من ناحية أخرى، فإن التفكير خارج مربع الكفاح المسلح لا يعني التخلي عنه. لذلك، المطلوب هو إيجاد توازن بين العمل الميداني والعمل السياسي. فالتاريخ يثبت أن الحركات الوطنية التي جمعت بين السلاح والسياسة هي التي حققت إنجازات حقيقية.
للتوضيح، يمكن للمقاومة المسلحة أن تفرض واقعًا جديدًا على الأرض، بينما يتولى الجناح السياسي ترجمة ذلك إلى مكاسب دبلوماسية وقانونية. وبالتالي، فإن التكامل بين الجبهتين هو مفتاح النجاح في المرحلة الراهنة.
الإعلام العربي ومسؤوليته في توجيه الوعي :
في نفس السياق، يلعب الإعلام العربي دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام وتوجيه الوعي الجمعي تجاه القضايا المصيرية. لذلك، فإن مسؤولية القنوات العربية، والمواقع الإخبارية، والمحتوى الرقمي، أصبحت أعظم من أي وقت مضى.
نتيجة لذلك، يجب أن يعاد بناء الخطاب الإعلامي العربي ليكون أكثر احترافية، وأقرب إلى لغة الشباب والجمهور الدولي. باختصار، الوعي الإعلامي أصبح أحد ميادين التحرر المعاصرة التي لا تقل أهمية عن الميدان العسكري.
رؤية مستقبلية للمقاومة الشاملة :
لتلخيص، يمكن القول إن التفكير خارج مربع الكفاح المسلح هو دعوة لتوسيع مفهوم المقاومة ليشمل كافة المجالات. فالمقاومة الحديثة هي مشروع وطني شامل يبدأ من الكلمة، ويمر عبر التعليم والإعلام، وينتهي إلى القرار السياسي.
في غضون ذلك، يجب أن تستفيد الحركات الوطنية من التطورات التكنولوجية لتوسيع حضورها في العالم الرقمي. لذلك، فإن بناء منظومة فكرية متكاملة تُعزز الصمود وتخاطب العالم بلغة جديدة هو التحدي الأكبر في المرحلة القادمة.
الخاتمة :
في الختام، التفكير خارج مربع الكفاح المسلح ليس تراجعًا، بل تطوير لأساليب النضال بما يتناسب مع العصر. بالتالي، إن من يجمع بين الوعي والتخطيط والتنفيذ المتوازن هو من يملك فرصة أكبر لصناعة الفارق. والأهم من ذلك كله، أن المستقبل لمن يستثمر أدواته بذكاء وشجاعة وصبر..
المصدر: إعداد وتحليل فريق نيوز بوست . . للمزيد من التقارير والتحليلات اشترك في نشرتنا الإخبارية.