بسام أبو شريف يعرض تجربة إعلامية فريدة وحكاية مقال

بسام أبو شريف يعرض تجربة إعلامية فريدة وحكاية مقال

المستشار بسام أبو شريف

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

أريحا - خاص غزة بوست

بسام أبو شريف يعرض..
تجربة إعلامية فريدة وحكاية مقال 
كشف رفض "إسرائيل" للسلام 


أقام مركز شؤون المرأة في قطاع غزة دورة تدريبية للصحافيين والإعلاميين العاملين بمجلته "الغيداء"ونخبة من الصحافيين العاملين في الميدان تحت عنوان "تأثير القصة الإنسانية في الرأي العام العالمي" 

واستعرض بسام أبو شريف المستشار الإعلامي للرئيس الشهيد ياسر عرفات أمام 40 صحفياً وإعلامياً تفاصيل وخبرات مستفادة من تجربة مقال في صحيفة عالمية طرح "حل الدولتين" سنة 1988 ..

وكيف شغل الدبلوماسية العالمية برؤية سياسية  وكشف زيف الدعاية الإسرائيلية وقال:

في حزيران 1988، عندما كانت اسطوانة شامير ومن قبله مناحيم بيغن ومن قبلهما غولدا مائير وابتداء من بن غوريون تعزف "كذبا وتضليلا"، في العالم: "العرب يريدون القاء اليهود في البحر"، ألقت منظمة التحرير قنبلة مدوية حول استعدادها لاقامة السلام عبر حل الدولتين، واهتز الصهاينة، واهتزت الولايات المتحدة واوروبا من هذا الزلزال وانهالت بعده، من كل منابر الصهيونية، المقالات في فوضى وعدم وحدة موقف أو رؤية ومن يعود لصحف "النيويورك تايمز والواشنطن بوست والوول ستريت جورنال"، يجد توابع الزلزال الذي كشف الكذبة الصهيونية وبين للعالم أجمع أن اسرائيل لاتريد السلام.
 

أتحدث هنا عن مقال كتبته، بعلم ياسر عرفات وبلا توقيع منه أو إشارة إليه، وكان يمثل الرؤية الفلسطينية الأولى لــ "حل الدولتين" وأحدث هزة كبرى حول العالم.. جاء المقال بعد الموافقة على القرار 242 واعتماد المجلس الوطني لبرنامج النقاط العشر، في حينه كان الإعلام الصهيوني يقول: أننا نقاتل لإلقاء الإسرائيليين في البحر.. وكانت مشكلة القياديين الفلسطينيين في ذلك الوقت أنهم يعبرون عن المواقف السياسية بشكل مجزأ "حبة حبة" دون أن يستطيع أحد فهم مغزاها، ودون نشرها بشكل متكامل..

وقتها كانت تجري مفاوضات أمريكية سوفياتية لإنهاء الحرب الباردة وأردنا وضع قضيتنا على جدول أعمالها برؤية تستند إلى القانون الدولي والشرعية الدولية وعزمت على نشر المقال قبل القمة الأمريكية السوفياتية التي عقدت 


خطتنا كانت تقضي بأن تنشر منظمة التحرير إعلاناً سياسياً قبل قمة ريجان جورباتشوف في مالطا يوم 29/ مايو أيار 1988 حتى يصبح تصورها مطروحاً على جدول أعمال الزعيمين كحل سياسي للصراع في الشرق الأوسط.

وكان الاعتقاد السائد بأن الزعيمين الأميركي والسوفييتي سيناقشان تحت بند إنهاء الحرب الباردة كل النقاط الساخنة وكيفية إيجاد حلول لها، وكان آنذاك على رأس تلك البؤر الساخنة أفغانستان والوجود العسكري السوفييتي فيها والشرق الأوسط.
ولقناعتي بأهمية هذا الموقف/ المقال الذي يطرح هدفاً ملموساً قابلاً للتحقيق استناداً للقرارات الدولية، رحت أعمل لنشره في صحف ذات تأثير على الرأي العام وعلى البيت الأبيض.


الرئيس ياسر عرفات رفض نشر تلك الوثيقة السياسية/ المقال  باسمه ما قلل من فرص إدراجها كمبادرة فلسطينية على جدول أعمال الزعيمين.


واعتقد أن قرار عرفات عدم نشر تلك الوثيقة باسمه كان من باب إرسال مستكشف للطريق أي كبش فداء ولذلك رفض الاطلاع على الوثيقة أو قراءتها ذلك أنه في حال حدوث ردود فعل سلبية على أفكارها ومضامينها سيكون صادقاً إذا قال أنا لم أطلع عليها ولم اقرأها وهي وجهة نظر لصاحبها وإن هذا هو جزء من ديمقراطيتنا..

صحيفة "الواشنطن بوست" الأميركية ذات انتشار واسع وتأثير في الدوائر السياسية في واشنطن ولذلك ركزتُ عليها لنشر المقال باسمي كي يصل بأسرع وقت لمكاتب المسؤولين الأميركيين.


كانت تربطني صداقة قديمة برئيس تحريرها بن برادلي وبمراسلها في الشرق الأوسط جون راندال، الاتصال مع بن برادلي كان صعباً، ولذلك اتصلت بجون راندال الذي كان يقيم في باريس آنذاك.


طلبت من راندال المساعدة في نشر المقال على صفحات الـ "واشنطن بوست" فأعلمني أنه قادم إلى تونس في اليوم التالي وسيأتي لزيارتي لبحث الموضوع.. وبالفعل زارني في مكتبي في اليوم التالي، وبعد أن شرحت له أهمية نشر المقال قبل 29 مايو، قال لي إنه غير مخول بالتدخل في صفحات الرأي التي لها محررها المستقل مضيفاً أن هذا المحرر من كبار مؤيدي إسرائيل.
وخلص راندال إلى القول بأن أضمن طريقة هي أن نرسل لرئيس التحرير بن برادلي رسالة إلكترونية نطلب منه التدخل لأنه الوحيد الذي يستطيع أن يطلب من محرر صفحات الرأي نشر مقال معين في وقت معين.. ورغم رد بن برادلي الإيجابي على الرسالة، قرر محرر صفحات الرأي عدم نشر الموضوع لأنه لا يخدم مصلحة إسرائيل.

هكذا فوّت المحرر علينا الفرصة وأصابني بإحباط شديد، لكنني لم استسلم إذ كان لا بد من نشر المقال في الصحف العالمية الكبرى، وفكرت ملياً بالأمر ووصلت إلى حل .. فقد كان مقرراً أن يلتقي الملوك والرؤساء العرب في قمة مهمة في الجزائر في الخامس من يونيو من عام 1988.


وعليه اتصلت بأحد المسؤولين الجزائريين لأسأله عن عدد الصحافيين الذين سمحت له الجزائر بالدخول لتغطية أعمال القمة العربية، فقال لي إنه كبير، ويفوق الـ 500 صحفي
وخلال القمة العربية في الجزائر وزعت المقال مرفقاً بملف عن قرارات الأمم المتحدة حول القضية الفلسطينية على ألف صحفي كانوا هناك...
وهنا جاءتني صحافية أمريكية تدعى جيرالدين بروك كانت مكلفة بتغطية فعاليات القمة لتستأذن نشر المقال في صحيفة "وورلد ستريت جورنال" وبالفعل تم نشره في اليوم التالي كمانشيت رئيسي في الصفحة الأولى للصحيفة..

يومها اخترقت جيرالدين بروك السقف نيابة عني، وحدثت ردود فعل عالمية وإقليمية وعربية.. كان هدفنا طرح رؤية حل تقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على الأرض التي تنسحب منها إسرائيل أي الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967 وأن تكون هناك دولة إسرائيلية واعتراف وتعاون متبادل، بمعني حل الدولتين على أرض فلسطين التاريخية. 


الصدى الذى أحدثه المقال، أوجد عملية دبلوماسية سياسية كبرى في العالم أجمع، وارتبك الخصوم وأربكت مخططاتهم على وقع المفاجأة وأصبحت الإدارة الأمريكية التي طرحت قبلها مبادرة ريجان "الأرض مقابل السلام" ملزمة بقبول خطتنا. 


وأذكر أنني قلت يومها للرئيس ياسر عرفات هذا لا يعني أن العالم سيتوجه فوراً لتبني اقتراحنا، بل إن إسرائيل ستبدأ حرباً عليه، وللحقيقة فقد انتهت هنا مرحلة الدعاية الصهيونية التي كانت تقول إننا نعمل لقذفهم في البحر، وبدأ انتشار روايتنا التي تؤكد أنهم يسعون لقذفنا في بحار العالم..

وسجل على لساني وبالحرف.. "أنني قلت لأبوعمار إن القوة التي نحتاجها لإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة، وعاصمتها القدس، هي تماماً ما نحتاجه لهزيمة إسرائيل في أرض المعركة العسكرية".. كما أبلغته أن "التفاوض مع وقف الانتفاضة يجعلنا كمن يدعي القتال بينما يضع سلاحه جانباً".. 


عارض اسحق شامير كل طروحات السلام بما فيها خطتنا لحل الدولتين، إلى أن جاء مؤتمر مدريد في عهد الرئيس جورج بوش الأب، بعد حرب تحرير الكويت، وكان أعضاء الوفد الفلسطيني ضمن الوفد الأردني الفلسطيني، من فلسطيني الداخل، الذين اختارهم شامير ليقول إنه يفاوض فلسطينيي الداخل، رغم أنه مشهود لهم جميعاً بوطنيتهم والتزامهم بمنظمة التحرير.. 

أُجبرت الحكومة الاسرائيلية على حضور مؤتمر مدريد، الذي حاول شامير وحكومته منع عقده، وانعقد المؤتمر تحت اشراف الأمم المتحدة وبرعاية اميركية روسية وحضور اوروبا والدول العربية، وراحت الآلة الصهيونية تعمل ليل نهار لافشال المؤتمر وعرقلة لجانه والمطمطة بتوقيتاته، وانهارت حكومة شامير وفاز رابين وحزب العمل في الانتخابات لتأتي حكومته باقتراح اجراء مباحثات سرية ثنائية في اوسلو لايحضرها سوى الاسرائيليين والفلسطينيين، وارتكبت المنظمة خطأ كبيراً ولم تتعلم من درس مدريد فوافقت على الدخول في مفاوضات اوسلو السرية، وولّد هذا الخطأ نتائج كارثية يعاني منها شعبنا، وسيعاني من تبعاتها على مدى سنوات.

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )