الإصلاح والقانون في تجربة عباس

الإصلاح والقانون في تجربة عباس

عدلي صادق

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

رام الله - غزة بوست 

بقلم: عدلي صادق
كاتب ومفكر فلسطيني

ليس اقبح من عباس، عندما يتمسح بالقانون وبالقوانين وبفكرة التغيير والإصلاح، ويحاول أن يتبدى ميالاً الى تجديد الدماء في عروق الوظائف، بينما هو أبعد عن فكرة العدالة، بُعد الثرى عن الثُريا، وأكثر قرباً من التجلط في العروق، من تلك النوبات التي أجهزت على الأحياء.

ففي تحربته البشعة أجهز عباس على النظام السياسي وأوصله الى حال الموات بالنوبة القلبية، علما بأن أحد أعز أحلام الفلسطينيين، هو امتلاك نظام وطني، على النحو الذي يليق بإنجازاتهم التعليمية والحضارية، وبتضحياتهم على مر العقود!

قرارات مراسيمة نفسها، غير دستورية ولا قانونية، وتعييناته تفوح منها رائحة الفساد والتدبير الكيدي. وعلى الرغم من ذلك كله، لا يكف عن محاولة التلطي بالقانون، مع الرغبة في إيهام الناس أنه يريد التغيير والإصلاح، ويتناسى أنه يجر تاريخاً من الحماقة والقرارات الشائنة.

إن أخذنا مثالاً، القرارت المتعلقة بالجهاز القضائي، تزدحم الأمثلة على ممارسات إقصائية، كان ولا يزال هدفها حرمان المجتمع، من أنموذج القاضي الطبيعي مثلما تصفه المراجع. فكلما أحس أن قاضياً يميل بحكم ضميره، الى العدالة في تناول المسائل الخلافية ذات المنحى العام؛ يتحسس عباس قلمه فيُصدر قراراً بمرسوم، لإراحة أعصابه وإزاحة القاضي. فهو أسرع في ذلك من الفتى الكوري الحاكم في سيئول، كيم جونغ أون، دون أن يكون له شيء من محاسن كيم!

في دول العالم المتخلفة، التي تخجل أنظمتها من إطاحة المحددات القانونية والدستورية للوظائف، لا يبقى قادة الأجهزة الأمنية عقوداً في مناصبهم، وقد قرئت في التاريخ، تعليلات التحسب من استمرار شغل الوظيفة الأمنية القيادية لسنوات غير محددة، ومن أشهر الأمثلة، التعليل التاريخي لانحراف صلاح نصر في تجربة عبد الناصر. وعلى مستوى السفراء والمبتعثين الديبلوماسيين، لم تكن قرارات عباس مخالفة لأعراف التنسيب للوظيفة وحسب؛ وإنما خالفت أيضاً، شروطها المقررة في وثيقة فيينا للعلاقات الدبلوماسية الدولية الصادرة في العام 1961 وكذلك المحددات والشروط المقررة في القانون الديبلوماسي الفلسطيني، الذي صادق عليه ممثلو الشعب. فهو يرسل شخصاً يحمل جنسية بلد، لكي يكون سفيراً لديه يمثل فلسطين، أو يجعل سفيراً يستمر في عمله لما بعد عمر الخامسة والسبعين، أو أن يعتمد  سفيراً من تابعي أجهزة الأمن في بلد ما، ينحاز لمرجعياته أولاً وأخيراً، أو أن يكلف أحد النكرات أو مرافقي سفير سابق، لكي يكون سفيراً للشعب الفلسطيني، مقرباً من أدهزة أمن الدولة، ويقوم على خدمة أولاد عباس الذين لهم مصالح فيه، ويجرد لهم عدداً من السيارات جئية وذهاباً وتأمين ضيوفهم في الفنادق، مع امتيازات أخرى لا يحظى بها أولاد الحاكمين في البلد. ويمكن لنجل عباس أن يطلب تعيين سفير من خدمه، فيبادر عباس بقلمه الأشول، الى إصدار قرار بمرسوم، يبدأ بجملة تقول إن القرار يصدر بموجب الصلاحيات المخوله لفخامته.

يتحدث عباس اليوم عن القانون، وكأن القانون والصلاحيات المخولة اليه ـ إن كان لا يزال يمتلك التخويل والتفويض ـ تُجيز له أن يتلقى التنسيب من أنجاله، ومن حلقته الضيقة، بينما السفير، عند تنسيب وزير الخارجية له، في بلد كالأردن، ينتظر حتى يصادق مجلس الوزراء على التنسيب، لوجوب فحص جميع الوزارات لسجله العدلي، وفي بلدان أخرى، يكون البرلمان هو الذي يعتمد. 

ذات يوم، اعترض رئيس قطاع خدمات فلسطيني مهم، على تأشيرة لعباس، تأمره بصرف مبلغ كبير لإحدى المقربات منه. استدعاه عباس، وسأله لماذا لم تصرف المبلغ، فأجابه لأن المبلغ غير متوفر والقانون لا يسمح، فصرخ في وجهه: لا تقول لي قانون.. أنا القانون!

كأن القانون خول عباس تجويع أسر أصحاب الرأي النقدي في أدائه أو الناصحين له، أو يجيز له الإقصاء، وأن يفصل من الخدمة، قائداً أمنياً بينما هو في مهمة مباحثات مع دولة أخرى، مثلما فعل مع أمين الهندي رحمة الله عليه، الذي فوجيء بمسؤولي البلد المضيف، يقولون له إنه قد أصبح غير ذي صفة، وكان الراحل نفسه، لا يعلم بما صدر بحقه!

إن تجاوز عباس للقانون، أحيل الى ذاكرة الفلسطينيين، ولن يستطيع شطب ذاكرة شعب، مهما حاول اليوم أن يطرح نفسه باعتباره حريصاً على القانون والعدالة والنظام والإصلاح. فهو يجر تاريخاً من انعدام الأمانة وإنكار العدالة وحراسة زمن فلسطيني رديىء!

اضف تعليق : ( التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها )