كيف تسهم المليشيات المسلحة في تصاعد الهجمات الإسرائيلية على غزة؟

كيف تسهم المليشيات المسلحة في تصاعد الهجمات الإسرائيلية على غزة؟ سؤال يفرض نفسه بقوة في ظل استمرار العدوان وتزايد حدة التوتر في القطاع. تشهد المنطقة منذ أسابيع تصعيدًا عسكريًا واسعًا يعكس تعقيدات المشهد الأمني والسياسي، حيث تلعب المليشيات المسلحة أدوارًا متباينة بين الردع والدفاع من جهة، واستفزاز الاحتلال لتبرير عملياته من جهة أخرى.
في هذا السياق، تبرز تحليلات متعمقة تربط بين تحركات الفصائل المسلحة وموجات التصعيد المتكررة، لتوضح أن العلاقة بين الفعل وردّ الفعل في غزة باتت أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أي وقت مضى، ما يجعل من دراسة هذا الدور خطوة ضرورية لفهم مسار الأحداث الحالية وتداعياتها الإقليمية المقبلة.

نبذة تاريخية عن المليشيات المسلحة في غزة :

ظهرت المليشيات المسلحة في قطاع غزة منذ بدايات الانتفاضة الأولى، ومع مرور الوقت تغيرت تركيبتها التنظيمية وتوسعت مهامها. في البداية كانت هذه المجموعات محدودة النشاط، تركز على حماية الأحياء الشعبية ومواجهة قوات الاحتلال في نقاط التماس. بعد ذلك، تطورت لتتحول إلى تشكيلات منظمة تمتلك سلاحًا وتمويلاً وهيكلًا داخليًا. علاوة على ذلك، أسهمت حالة الانقسام السياسي الفلسطيني في تعزيز نفوذ هذه المليشيات، إذ وجدت جهات عدة نفسها مضطرة لتأسيس أجنحة مسلحة للدفاع عن مناطق نفوذها.

أسباب تصاعد دور المليشيات المسلحة في غزة :

تعددت العوامل التي أدت إلى تضخم دور المليشيات في غزة، من أبرزها الفراغ الأمني والسياسي الناتج عن الحصار والانقسام. بالإضافة إلى ذلك، فإن محدودية القدرات الرسمية للأجهزة الأمنية جعلت بعض القوى المسلحة تملأ هذا الفراغ. وفيما يلي أهم الأسباب بالتفصيل:

  • الفراغ المؤسسي والأمني الذي سمح بتوسع المليشيات كقوة فعلية على الأرض.
  • رد الفعل الشعبي والميداني على العدوان الإسرائيلي، ما يدفع للمنافسة المسلحة المرتدة.
  • وجود دعم خارجي لبعض التنظيمات، سواء عبر تمويل أو تسليح من جهات إقليمية.
  • البعد الأيديولوجي الذي يمنح شرعية للعمل المسلح لدى قواعد واسعة من الجمهور.

العلاقة بين تصعيد الاحتلال ونشاط المليشيات المسلحة :

يرى مراقبون أن العلاقة بين الاحتلال الإسرائيلي والمليشيات المسلحة علاقة تغذية متبادلة؛ فكلما نفذ الاحتلال عملية عسكرية ضد غزة، ترد المليشيات بصواريخ أو عمليات ميدانية، ما يدفع إسرائيل لتصعيد أكبر. على سبيل المثال، خلال العدوانات السابقة، كانت المليشيات تطلق رشقات صاروخية مكثفة ردًا على استهداف المدنيين، ومع ذلك، غالبًا ما تستخدم إسرائيل هذه الردود ذريعة لتوسيع نطاق القصف.

في نفس السياق، قد تُستَخدم هذه المليشيات كأداة سياسية في أيدي أطراف إقليمية ترنو لإرسال رسائل عبر التصعيد الميداني.

البعد السياسي لعمل المليشيات المسلحة :

لا يمكن فصل عمل المليشيات عن الحسابات السياسية، فكل فصيل أو جهة تقف خلفها تسعى إلى تحقيق مكاسب سواء على مستوى النفوذ الداخلي أو في علاقاتها الإقليمية. لذلك، أصبحت بعض العمليات العسكرية تحمل رسائل سياسية أكثر منها أهدافًا عسكرية محضة. بعبارة أخرى، يمكن أن تكون هذه المليشيات أداة ضغط على فصائل أخرى أو على السلطة الفلسطينية ذاتها. نتيجة لذلك، يرى بعض المحللين أن استمرار هذه الظاهرة يعكس غياب رؤية فلسطينية موحدة لإدارة الصراع.

موقف المجتمع الدولي من تصاعد نفوذ المليشيات المسلحة :

المجتمع الدولي ينظر بقلق لزيادة نشاط المليشيات في غزة، ومع ذلك يتجاهل غالبًا الأسباب الحقيقية التي أدت إلى نشأتها. فبدلًا من معالجة جذور الحصار والاحتلال، يتم التركيز على مظاهر العمل المسلح فقط.

الأمم المتحدة وعدد من الدول الغربية تطالب دائماً بضبط السلاح داخل غزة، ولكنها لا تبذل جهودًا كافية لإنهاء الاحتلال الذي ولد هذا الواقع. للتوضيح، إن ازدواجية المواقف الدولية تمنح الاحتلال مسوغات لتبرير هجماته باسم الأمن.

التأثير الاقتصادي للمليشيات على غزة :

قد يبدو أن المليشيات قضية أمنية فقط، ولكن تأثيرها يمتد إلى الاقتصاد أيضًا. نتيجة لذلك، تعاني غزة من تراجع النشاط التجاري وارتفاع معدلات البطالة جراء الحروب الدورية. فالمصانع والأسواق تتوقف، والمعابر تُغلق، ما ينعكس سلبًا على آلاف الأسر. علاوة على ذلك، قد تتراجع المساعدات الدولية في حال تصنيف بعض الفصائل كمنظمات غير شرعية، مما يزيد الأزمة الإنسانية حدة.

كيف تبرر إسرائيل عدوانها باستخدام ورقة المليشيات؟

تستخدم إسرائيل وجود المليشيات كذريعة مستمرة لكل عملية قصف، مدعية أن هذه الجماعات تشكل تهديدًا لأمنها القومي. ومع ذلك، تعد هذه الذريعة جزءًا من الاستراتيجية الإعلامية والعسكرية الإسرائيلية؛ إذ تروج وسائل الإعلام الرسمية لسردية تتحدث عن استهداف البنية التحتية للمليشيات، بينما تكون الأقلية من الضحايا فعلاً من المدنيين. وبالمثل، تشكك تقارير حقوقية في نية إسرائيل الحقيقية وتؤكد استهداف المدنيين تحت حجج استهداف عناصر مسلحة.

هل يمكن ضبط سلاح المليشيات في غزة؟

هل يمكن فعلاً ضبط سلاح هذه المجموعات؟ الإجابة معقدة؛ فالسلاح في غزة أصبح رمزًا للكرامة لدى قطاع واسع من السكان. ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن الحل يكمن في تنظيم العلاقة بين الفصائل عبر إطار وطني موحد.

هذا يعني توحيد القرار الميداني والسياسي بدلًا من نزع السلاح فحسب، ما يضمن حماية المدنيين وتقليل ذرائع الاحتلال. علاوة على ذلك، يجب أن يكون ضبط السلاح جزءًا من اتفاق وطني يشمل إنهاء الانقسام وتحقيق إصلاحات مؤسسية.

دور الإعلام في تشكيل المشهد حول المليشيات

يلعب الإعلام دورًا محوريًا في تحديد صورة المليشيات، فبينما تصفها بعض الوسائل الغربية بأنها جماعات إرهابية، ينظر إليها الإعلام المحلي أحيانًا على أنها قوى مقاومة مشروعة. لذلك، يظل الجدل قائمًا حول توصيفها، ومع ذلك تصعد الصورة الإيجابية للمليشيات لدى الشارع مع تكرار جرائم الاحتلال. ولكن يحذر باحثون من أن خطابًا إعلاميًا منحازًا قد يشتت الوعي الجمعي ويبعد النقاش عن الحلول العملية.

ماذا يحمل المستقبل؟

الأهم من ذلك كله أن مستقبل الصراع مرتبط بقدرة الفلسطينيين على إدارة ملف السلاح بحكمة. فاستمرار المليشيات دون إطار واضح يعني استمرار دائرة العنف. لذلك، تتزايد الدعوات لبناء قيادة ميدانية موحدة تجمع الفصائل وتضع قواعد اشتباك واضحة تردع الاحتلال وتحمي المدنيين. لتلخيص، يمكن القول إن المليشيات ستظل لاعبًا محوريًا، لكن تحويلها إلى قوة منظمة ضمن مشروع وطني هو التحدي الحقيقي أمام الحركة الوطنية.

الخاتمة :

باختصار، المليشيات المسلحة في غزة نتيجة متوقعة لسنوات الاحتلال والحصار والانقسام، ومع ذلك فإن تعامل إسرائيل مع هذا الملف بعقلية الرد والضغط الجماعي يزيد الأمور تعقيدًا.

لذلك، يكمن الحل الحقيقي في معالجة الأسباب الجذرية، أي إنهاء الاحتلال وتجاوز الانقسام، وإلا سيظل السلاح حاضرًا في المشهد الفلسطيني بأشكال متعددة تعيد إنتاج العنف والدورة المدمرة.

 

المصدر: إعداد وتحليل فريق نيوز بوست . . للمزيد من التقارير والتحليلات اشترك في نشرتنا الإخبارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى