مبادرة لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية

- ‎فيآراء ومقالات
د.ناصر الصوير

غزة بوست – غزة

بقلم ناصر الصوير

تمر القضية الفلسطينية في وقتنا الراهن بأسوأ مراحلها على الإطلاق، والسبب في ذلك يعود إلى مجموعة متواترة من الأسباب أهمها على الإطلاق الانقسام الفلسطيني المتمثل بالصراع بين قطبي الحياة السياسية الفلسطينية(حماس وفتح) المستمر والمتواصل منذ أحد عشر عاماً كاملة،

فلو تطرقنا إلى النتائج التي تمخض عن هذا الانقسام فسنجد أنها نتائج كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فلقد أدى هذا الانقسام البغيض إلى تقسيم الصف الفلسطيني وتدمير النسيج الوطني، وتهميش زخم القضية الفلسطينية في المنابر والحافل الدولية، وإعطاء الدول الإسلامية فرصة للتنصل من مسئولياتها القومية والوطنية والأخلاقية تجاه فلسطين وشعبها، كما منح هذا الانقسام الدائر بلا هوادة الدولة الصهيونية(إسرائيل) فرصة ذهبيةً لم تكن تحلم بها مطلقاً بالاستفراد بالشعب الفلسطيني فقامت ولا زالت بسلسلة طويلة من الممارسات التهويدية والاستيطانية في أنحاء الضفة الغربية، وبإجراءات قمعية تعسفية ضد المقدسات وفي مقدمتها المسجد الأقصى، كما شددت خنقها الشديد وحصارها المطبق على قطاع غزة، كما تنصلت من جميع الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير وضربت بعرض الحائط حل الدولتين واعتبرته خلف ظهرها، وأنه حل كان مقترحاً وعفا عليه الزمن ولا مجال لتنفيذه مطلقاً. إن جميع هذه الممارسات لم تكن لتتم بهذه السهولة وتمر بهذه البساطة لو لم يكن الانقسام قائماً والبيت الفلسطيني متشرذماً تعصف به ويلات الصراع الداخلي، هذا الصراع الذي يلقي بظلاله الخطيرة جداً على أسس وثوابت القضية الفلسطينية التي باتت في مهب الريح يحدق بها خطر الضياع الكامل.

        في ظل هذه المعطيات حالكة السواد السؤال الذي يطرح نفسه بشدة : ما هو المخرج لإنهاء هذا الوضع الشاذ الذي طال أمده وتكسرت على صخرته كل المحاولات والمبادرات والحلول وباءت جميعها بالفشل؟! وإلى متى سيستمر هذا الانقسام الذي قضى على الأخضر واليابس وبات كابوساً ينذر حال استمراره بالقضاء على ما تبقى من ثوابت القضية الفلسطينية التي باتت مهددةً فعلاً خصوصاً أن هناك استغلال مقيت ومريع من قبل بعض الأنظمة العربية وتساوق لم يسبق له مثيل بينها وبين الكيان الصهيوني لتمرير حلول جائرة تستلب من الشعب الفلسطيني معظم حقوقه وثوابته المشروعة؟!

        للإجابة على هذا السؤال علينا أن نستثني بدايةً جميع الحلول السابقة التي جربناها لإنهاء الانقسام ولا نقوم أبداً بطرق أبوابها مرة ثانية لأن وكما يقول المثل الشعبي( اللي بجرب المجرب عقله مخرب) أي من يسعى وراء حلول أثبتت فشلها فهو فاشل ويفتقر إلى الفطنة والذكاء، وعلينا أن نسعى نحو حل ثوري يتجاوز كل الحلول الفاشلة السابقة، ولكن ما هو هذا الحل الذي يكفل بإيجاد حل لهذه المعضلة التي عجزت دول بثقلها أن تجد لها حلاً ؟!! ببساطة شديدة علينا أن نعرف أولاً السبب الذي يحول دون نجاح أي حل لإنهاء الانقسام، ونحاول تجاوزه ونكرس كل الجهود للابتعاد عنه وعدم إبقائه عقبةً كأداء في طريق إنهاء الانقسام. السبب ببساطة شديدة هو أن حركتي فتح وحماس لا تثقان ببعضهما البعض، بل سأذهب إلى أبعد من ذلك لأقول الحقيقة المرة وهي أن الكراهية والأحقاد المتبادلة هي السمة التي تميز العلاقة بين الحركتين والشواهد كثيرة بل كثيرة جداً ولا يكاد تصريح لمسئول من إحدى الحركتين يخلو من سموم نارية موجهة ضد الحركة الأخرى!! وبناءً عليه يجب أن يأتي الحل من طرف ثالث غير حماس وفتح !! إذن من يكون هذا الطرف؟ أهيَّ الفصائل الفلسطينية ؟  لا ! لماذا لا ؟ لأنها أثبتت فعلاً ودون مواربة أنها مرتهنة بالسير في فلك أحد القطبين، فهؤلاء مع حماس على طول الخط، وهؤلاء مع فتح على طول الخط، كما أن السنوات السابقة التي استفردت فيها حماس بحكم غزة وفتح بحكم الضفة جعلت من هذه الأحزاب ديكوراً سياسياً ليس له قوة التأثير المطلوبة لفرض حلول على الطرفين أو تصحيح بوصلة الخط الوطني والسياسي من خلال تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام!! إذن هل تنفع وساطة بعض الدول كمصر أو الأردن أو قطر أو السعودية أو الإمارات أو تركيا لإنهاء الانقسام؟! أيضاً هؤلاء الوسطاء الذي فشلوا مراراً وتكراراً في مساعيهم للتوسط بين الطرفين سواءً كانت هذه المساعي صادقة أم لتحقيق مصالح معينة لهذه الدول، لن يتمكنوا من تحقيق الهدف المنشود، وتجربة السنوات الإحدى عشر المنصرمة تؤكد أن هذا الدول كانت في معظم الأحيان معطلةً للمصالحة لأنها تتعارض مع مصالحها وتحقيقها سيعود بالضرر عليها لاعتبارات كثيرة من منظورها!!

        أنا أعتقد جازماً أن حل هذه العقدة ليس بيد أي طرف سوى بيد طرف واحد ووحيد وهم المستقلون الذين لا ينتمون لأي فصيل على الساحة، المستقلون الذين غيبوا أنفسهم طويلاً عن المشهد على الرغم أنهم يشكلون الغالبية العظمى بنسبة تزيد عن سبعين بالمائة من أبناء الشعب الفلسطيني حسب الكثير من التقديرات.

        إن الدور الذي من الممكن أن يلعبه المستقلون قد يكون مفصلياً وحاسماً خصوصاً في هذا الوقت بالذات، فهم يستطيعون أن يحركوا الشارع الفلسطيني للضغط المؤثر على فتح وحماس، كما أنهم يستطيعون أن يكونوا حكماً عادلاً ونزيهاً وقوياً بين الطرفين إن استلزم الأمر ذلك، كما إنهم يملكون قوة الضغط المطلوبة وهي الزخم الشعبي المتاح لهم كونهم الأغلبية الكبرى في الشارع الفلسطيني.

        المطلوب ببساطة شديدة إطلاق مبادرة عاجلة لتشكيل جسم سياسي مؤقت يمثل المستقلين لانجاز الهدف المنشود، وحتى نحدد الأمر ولا نتركه فضفاضاً علينا أن نشكل هذا الجسم الذي أقترح أن يسمى بمجلس الحكماء أو مجلس الخبراء يضم الحاصلين على درجة الدكتوراه والماجستير في تخصصات محددة هي: (العلوم السياسية، التاريخ الحديث والمعاصر، القانون، الصحافة والإعلام، والعلاقات الدولية) شريطة أن يكونوا من المستقلين وليس لهم أي انتماء حزبي على الإطلاق، وعلى هذه الفئة القيام فوراً بعقد جلسات مفتوحة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة بعيداً عن أي انتخابات داخلية أو تشكيلات حتى نتجنب الصراع الأزلي عند العرب على المناصب والكراسي والمسميات، وعلى هؤلاء القيام فقط وأشدد على كلمة فقط بطرح موضوع الانقسام والصراع بين حركتي فتح وحماس وتشريح الموضوع تشريحاً كاملاً يتضمن استعراض مسيرة العلاقة بين الحركتين وأسباب الخلافات والصراعات التي شهدتها علاقات الحركتين، وأسباب الصراع الأخير الذي أدى إلى الانقسام، واستعراض الجهود التي بذلت لحل هذه المعضلة وأسباب الفشل في نجاحها جميعاً حتى يومنا هذا، ثم البدء بطرح الأعضاء لأوراق عمل تتضمن رؤيتهم الخاصة لحل هذا الصراع من خلال مناقشات على أسس علمية واقعية مدروسة ومتاحة التنفيذ إلى أن تتبلور لدى هذا المجلس رؤية شاملة وكاملة لحل يحظى بإجماع المجلس، يتم عرضه أولاً على الرأي العام وشرحه وتسويقه بصورته الواضحة الجلية بعيداً عن أي سرية أو غموض، ثم يعرض على الحركتين وتطالبا بالتنفيذ تلبية لإرادة القطاع الأكبر من قطاعات الشعب الفلسطيني وهم المستقلون الذين قلت أنهم يمثلون الغالبية العظمى من أبناء الشعب الفلسطيني.

        ربما بل من المؤكد أن هذه المبادرة ستواجه مجموعة من العقبات من أهمها أنها لن تروق للكثيرين ممن سيجدون أنفسهم خارج المجلس المقترح، لكنني أؤكد أن الشريحة التي اخترتها من التخصصات التي ذكرتها لا تقلل من قيمة أحد، ولكنا فعلاً بحاجة إلى العمل بأسلوب علمي محض وليس عاطفي أو عشائري أو تنظيمي أو فئوي فلقد فشلت هذه الفئات فشلاً ذريعاً في وضع حد للانقسام طيلة 11عاماً متواصلة، كما أن الفكرة قد تواجه معارضة أحد القطبين حماس أو فتح أو كليهما خصوصاً من الفئات المستفيدة من بقاء الانقسام مستمراً ومتواصلاً، أيضاً ربما تكون هناك صعوبة في لم الشمل بين أعضاء المجلس من الضفة وغزة، كذلك ربما تكون هناك نفسية انهزامية سلبية لدى بعض المقترحين للانضمام للمجلس فيرفضوا الانضمام والمشاركة، ولا ننسى المشكلة الأزلية الأبدية التي تواجه أي حراك من قبل الأنانيين النفعيين وهي التشكيك والتخوين والتشهير والتحريض بحق هذا المجلس والقائمين على هذه المبادرة!!

        لا أريد أن أسهب بالحلول المطلوبة لتجاوز هذه العقبات المحتملة ولكن كل ما يمكنني قوله أن سرعة تشكيل المجلس وسرعة العمل سيكونان عاملاً مهماً ومفصلياً في نجاح المهمة المقدسة التي سيقوم بها هذا المجلس المؤقت.

        ختاماً الوقت ليس في صالحنا ولا في صالح قضيتنا التي يتآمر على تصفيتها القريب والبعيد، وان لم نقم بإيجاد سبل واضحة وناجعة لإنهاء الانقسام وإعادة قطار الوحدة الوطنية إلى قضبانه ومساره الصحيح، فسيكون الانهيار التام للقضية الفلسطينية، وستفرض علينا صفقات وحلول ربما ستكون نكبة جديدة قاتلة وحاسمة يضيع معها ما تبقى من فلسطين.

 

الباحث والمحلل السياسي

د. ناصر الصوير

Facebook Comments