الموقف المغربي من الأزمة الخليجية: قراءة في المحددات | غزة بوست

الموقف المغربي من الأزمة الخليجية: قراءة في المحددات

كتب : بلال التليدي

كان ثمة ترقب شديد من طرف دول الخليج للموقف المغربي من الأزمة الخليجية بحكم الشراكة الاستراتيجية التي أصبحت تجمع المغرب بدول مجلس التعاون الخليجي لاسيما بعد القمة المغربية الخليجية التي انعقدت في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي.

تأخر الإعلان عن الموقف المغربي كان متفهما، إذ كان المغرب يترقب مواقف الدول الأخرى، كما كان يترقب أن تقف أطراف الصراع على تداعيات الأزمة الخطيرة، وتتجه إلى احتواء الموقف أو على الأقل فتح المجال لوساطات تساعد على التقليص من حدة التوتر.

في البدء، اكتفى المغرب بمتابعة ما يجري من تطورات ومحاولة التواصل مع أطراف الصراع لفهم ما وقع، حسبما عبر عن ذلك وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ثم ما لبث أن أصدرت الخارجية المغربية بلاغا تعلن فيه عن موقف «الحياد البناء»، وتعلن استعداد المغرب «لبذل مساع حميدة من أجل تشجيع حوار صريح وشامل بين الأطراف»، ليعقب الموقف صدور تعليمات ملكية بإرسال طائرات محملة بالمواد الغذائية إلى قطرتعبيرا عن روح التآزر والتضامن بين الشعوب الإسلامية حسب ما ذكر بلاغ وزارة الخارجية المغربية، ليأتي بعد ذلك توضيح مفصل لطبيعة الموقف المغربي ومستنداته، مع بعث وزير الخارجية ناصر بوريطة إلى كل من الإمارات والسعودية رسائل شفوية من الملك محمد السادس لتوضيح طبيعة الموقف وبذل المساعي الحميدة للوساطة بين أطراف الصراع في المنطقة. قد يبدو في الظاهر أن هناك نوعا من الارتباك في تصريف الموقف المغربي، أو أن هناك محاولة مغربية لاحتواء تداعيات موقف «الحياد البناء» المعبر عنه في بلاغ وزارة الخارجية المغربية، غير أن قراءة حيثيات هذا الموقف في ضوء رصيد العلاقات المغربية الخليجية، والنظرة الاستراتيجية التي أصبحت تحكم السياسة الخارجية المغربية تجاه دول الخليج، فضلا عن تشابك وتعقد المصالح الاقتصادية بين المغرب وأطراف الصراع من دول الخليج وطبيعة الموقف الدولي من هذه الأزمة، يظهر أن الموقف المغربي تم بناؤه وفقا لمحددات واضحة ومدروسة.

من هذه المحددات، البعد الاستراتيجي في الموضوع، والذي سبق لعاهل المغرب أن عبر عنه في خطابه للقمة المغربية الخليجية، والذي تحدث فيه بوضوح عن تحديات مشتركة تهدد الملكيات في الخليج والمغرب، وأن هناك مخططات للتقسيم تستهدف الدول الناجية من تداعيات الربيع العربي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية، وأن ثمة حاجة لبناء موقف مشترك بإزائها. هذا الموقف الذي تم التعبير عنه في سياق مخصوص محكوم بالتوتر بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية على خلفية ملف الصحراء وقتها، لاتزال حيثياته مستمرة بالنسبة للمغرب، والأرجح أن رؤية المغرب الاستراتيجية لتقسيم دول التعاون الخليجي بهذه الأزمة وغيرها تمتح من القراءة نفسها، وقد لفت بلاغ وزارة الخارجية المغربية الأخير لهذا البعد، حين أشار إلى العلاقة الاستراتيجية التي تربطه بدول التعاون الخليجي وحرصه على تدعيم الاستقرار في هذه الدول.

المحدد الثاني، والمرتبط بالموقف الدولي، إذ لم تنجح المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين في إقناع عدد وازن من الدول بموقفها، لاسيما الدول الأوروبية، التي مضت أغلبها في التحذير من مخاطر هذا الصراع على استقرار المنطقة والدفع باتجاه نزع فتيل التوتر. ففضلا عن الموقف الألماني والبريطاني الذي تشترك مصالحهما في ضرورة التوصل إلى حل خلافات دول مجلس التعاون الخليجي وتحصين الاستقرار في المنطقة، لم يبتعد الموقف الفرنسي كثيرا عن هذا التقدير، إذ أعلن الرئيس الفرنسي ماكرون تأييده لأي مبادرة لتسوية الصراع بين أطراف النزاع ودعمه للوحدة والاستقرار في دول الخليج. فما من شك أن تحولات الموقف الأمريكي، بعد التطورات التي حصلت بدخول تركيا وإيران على الخط، ومواقف الدول الأوروبية ولاسيما الموقف الفرنسي الذي تتشابه حيثياته مع بعض حيثيات الموقف المغربي، ساهمت في بلورة الموقف المغربي بالشكل الذي صدر به. المحدد الثالث، يرتبط بتعقد وتشابك المصالح الاقتصادية بين المغرب وأطراف الصراع في دول الخليج، فمع قوة العلاقات التي تجمع المغرب بالإمارات العربية المتحدة والسعودية والبحرين، فقد تنامت منذ سنة 2012 الاستثمارات القطرية في المغرب. فحسب ما صرح به وزير المالية المغربي محمد بوسعيد فإن هذه الاستثمارات القطرية مثلت سنة 2014 حوالي 12.3 في المئة من الاستثمارات الأجنبية بـ 450 مليون دولار. ويرجح أن ترتفع هذه النسبة بعد جريان عدد من الاتفاقات المبرمة بين الطرفين في اللجنة العليا المشتركة السادسة التي انعقدت في قطر في أبريل (نيسان) من العام الماضي (2016). فالمغرب، بحكم واقع هذه الاستثمارات الآخذة في التطور، محكوم بضرورة البحث عن مخرج للأزمة، والنأي بنفسه عن أي اصطفاف يعمق الأزمة ويتسبب في نقل تداعيات الأزمة إلى توازناته الاقتصادية ومشاريعه التنموية.

المحدد الرابع، ويرتبط بحجم العمالة المغربية في قطر والآخذ في التطور بعد حرص قطري على تغيير الوجهة واختيار العمالة الفنية المغربية. فحسب تصريح لوزير الهجرة المغربي السابق أنس بيرو (سنة 2015)، في مقر إقامة السفير المغربي في قطر، فقد وقع الطرفان المغربي والقطري على اتفاق يستقطب 15 ألف مغربي ومغربية سنويا للعمل في قطر، خلال ثلاث سنوات، مما يفيد أن المغرب يسعى بموقفه المتوازن أن يحافظ على هذه العمالة المرشحة أن تصل إلى أكثر 60 ألف مغربي في أفق 2020. ومع وضوح هذه المحددات الأربعة التي ساهمت في صوغ الموقف المغربي إلا أن المغرب حرص في بلاغات وزارة خارجيته أن يضمنها جملة عبارات وآليات يضمن بها قدرا من المسافة عن مواقف بعض الأطراف «غير العربية»، وبشكل خاص تركيا وإيران، أو ينفي بها الاصطفاف مع قطر مثل تأطير المساعدات الغدائية المرسلة إليها بمقتضى تعليمات ملكية بالطابع الديني التضامني مع الشعوب العربية الإسلامية، أو يرسي بها ضوابط الوساطة التي ترفع الالتباس عن حدود الاشتباك بين الحياد والاصطفاف، ومن ذلك التأكيد على أربعة ضوابط مؤطرة للمساعي السلمية (عدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومحاربة التطرف الديني، والوضوح في المواقف والوفاء بالالتزامات)، ناهيك عن دعم جهود الكويت في الوساطة، والتحريك المبكر لآلية الاتصالات والوساطة الفعلية بإرسال وزير الخارجية إلى أطراف النزاع في المنطقة.

 

٭ كاتب من المغرب

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

شاركنا رأيك